السعودية والمال الوفير والعرب

يعيش العرب اليوم حالة من الاضطراب والتفكك على كل الصعد بفعل المال العربي وبعثرته في غير صالح الأمة.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GJ5QxA
السبت، 20-04-2019 الساعة 12:38

لم يكن يخطر ببالي أن تنزلق الدولة السعودية برغبتها إلى الهاوية داخلياً وخارجياً، كانت كلمة السعودية في المحافل العربية والدولية قبل تسلم الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان مقاليد السلطة في المملكة هي قول الفصل في حل أي خلاف في وجهات النظر في أي شأن من الشؤون، كانت صاحبة مبادرات مثل المبادرة العربية لحل النزاع العربي الإسرائيلي "مبادرة السلام"، (مبادرة الأمير / الملك فهد عام 1981 في القمة العربية في الرباط، ثم مبادرة الأمير / الملك عبد الله حول ذات الشأن عام 2002 مؤتمر قمة بيروت العربية، ولما كانت السعودية في صراع مسلح مع مصر في اليمن 1962 ــ 1967 وفي أحلك الظروف المصرية السعودية، استقبل الملك فيصل آل سعود الرئيس جمال عبد الناصر في جدة في عام 1965 استقبالاً يليق بمكانة عبد الناصر ومصر، وحضر اللقاء إخوان الملك؛ الأمير فهد وسلطان وعبد الله ونايف وسلمان وخالد وآخرون من الأمراء ووجهاء وأعيان البلاد، كان هدف اللقاء إنهاء القطيعة بين الدولتين المصرية والسعودية وإنهاء الحرب في اليمن، وهكذا يفعل العمالقة رغم المواجهة المسلحة بين الطرفين على صعيد اليمن إلا أنهما التقيا وأنهيا كل الخلافات بينهما.

لم يكن الملك فيصل رحمه الله حاقداً ولا شامتاً بمصر نتيجة لهزيمة - نكسة 1967، كان موقفه إيجابياً تجاه مصر التي خرجت من الحرب 1967 محطمة عسكرياً واقتصادياً ونفسياً، وقدم لها المساعدات المالية وساعد في تحمل جزء كبير من تكاليف المجهود الحربي في مواجهة إسرائيل، والحق يجب قوله رغم خلاف الكاتب وقطاع عريض من أهل الرأي في المملكة مع سياسة الملك فيصل تجاه القضايا القومية داخلياً وخارجياً إلا أنه كبير في أفعاله، ولا بد من الإشادة بها، أما انزلاقه في حرب اليمن عام 1962 ـ 1967 مع مصر فكان منزلقاً ورثه عن الملك سعود ولم يصنعه هو، تجدر الإشارة إلى أنه في ذروة الخلافات مع عبد الناصر لم يضع أي عراقيل تجاه حجاج مصر أو المعتمرين، لم يستغنِ عن أساتذة الجامعات والتعليم العام رغم كل الجراح في اليمن، وزار الملك فيصل القاهرة والجراح في اليمن لم تندمل في تلك الفترة. هذه صفات الزعماء الكبار لا فجر في الخصومة ولا أحقاد، وكما يقول الشاعر:

لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب

ولا ينال العُلا من طبعه الغضب

ما قصدته أعلاه أن العرب والمسلمين يعولون كثيراً على الدور السعودي في حل الكثير من قضاياهم، وكان القادة السياسيون السعوديون يمارسون دبلوماسية هادئة تجاه القضايا العربية والدولية، وكانت دبلوماسية ناجحة في كثير من الأحيان بخلاف الدبلوماسية السعودية اليوم في عهد الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد.

لقد هلل الكثير من العرب لقدوم سلمان إلى قمة هرم السلطة وكانوا يتوقعون أن على يديه سيتم حل كل الخلافات العربية والعمل على إنهاء الصراع في سوريا والعراق وليبيا لصالح العرب، وأن مصر لن تكون فريسة لعسكري جاهل، وأن مجلس التعاون الخليجي سيكون الرافد الحقيقي للأمة العربية والإسلامية بقيادة الملك سلمان، وحتى فرحنا وفرح العرب "بعاصفة الحزم" على أمل أن تكون القوة الضاربة لاستعادة حقوق العرب السليبة على امتداد الوطن العربي لكننا صدمنا بما آل إليه الحال.

يعيش العرب اليوم حالة من الاضطراب والتفكك على كل الصعد بفعل المال العربي وبعثرته في غير صالح الأمة، انطلاقاً من المملكة السعودية داخلياً، ليس الوضع فيها كما يجب أن يكون، تضخم اقتصادي وبطالة وصراع بين الرغبة في الانفتاح المنظم ورفض مطلق لانفتاح منفلت، قيادات فكرية من كل التوجهات عصف بها النظام القائم وزج برموزها في السجون والمعتقلات، ورجال أعمال مرموقون لم يكن يتصور مواطن سعودي أن يلحق بهم الأذى ويودعوا في السجون بذرائع لا تصدق، وكذلك أمراء يشار إليهم بالبنان، كانت المرأة في السعودية معززة مكرمة وانتهى بالمثقفات منهن الناشطات اجتماعياً وفكرياً إلى ظلام السجون ولم يسلمن من سجانيهن من الإهانة وخدش الحياء واستباحة المحرمات كما تقول التقارير المنشورة من منظمات دولية يعتد برأيها. لجأت الحكومة إلى رفع رسوم الخدمات الحكومية بنسب عالية، وفرضت ضرائب غير مسبوقة على المواطن والمقيم وأصبح المواطن يعيش في ضنك.

خارجياً: في الوقت ذاته تتحمل الدولة مليارات الدولارات في حرب اليمن، إذ تقدر التكاليف الحربية في اليمن بـ 20 ــ 25 مليار دولار خلال السنوات الأربع الماضية، نفضلاً عن تكاليف الجيش السعودي على الحدود وشراء السلاح من الخارج، والتي زادت عن أكثر من 150 مليار دولار في السنوات الأربع الماضية.

في حصار السعودية على قطر أنفقت وما برحت تنفق ملايين الدولارات على مكاتب علاقات عامة في الدول الغربية لتحسين سمعة الدولة السعودية وتشويه سمعة دولة قطر، وكان العائد على ذلك الإنفاق بالسالب؛ سمعة المملكة في الساحة الدولية في أدنى درجاتها، فلا تخلو نشرة أخبار على التلفزيونات العالمية من الحديث سلباً عن المملكة، ويكفي برلمانات الغرب دون استثناء التي تصدر إدانات للحكومة السعودية سواء في شأن حقوق الإنسان أو جرائم الحرب في اليمن أو قتل خاشقجي أو اعتقال رئيس وزراء لبنان السيد سعد الحريري أو حصار دولة قطر، وكذلك كبرى الصحف العالمية؛ لوموند الفرنسية، والواشنطن بوست، ونيويورك تايمز، والتايمز البريطانية، والغارديان، والفايننشال تايمز البريطانية، وكذلك المجلات المرموقة مثل مجلة الإكونومست وكذلك الصحف الألمانية والكندية وغير ذلك.

وأخيراً تتهم السعودية بأنها الممول الأول للجنرال المتقاعد خليفة حفتر في حربه ضد الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً في طرابلس بهدف الإطاحة بها وتولي مقاليد الحكم وإذا صدقت تلك المعلومات فإن السعودية تدخل جحر أزمات كارثية بعيدة عن حدودها، ولافتات المتظاهرين في الجزائر وصيحات الجماهير تطالب بقطع العلاقات مع السعودية وترفض تواجد ممثلين لها في الجزائر، وتونس حدث ولا حرج واليوم السودان والغضب الشعبي السوداني من نظامه السياسي ومن محاولات السعودية الاقتراب من حراكهم الذي أطاح بالبشير أو إغراءات المجلس العسكري بالمال وغيره.

آخر القول: والحق أنه لو أنفقت هذه الأموال الطائلة على إعمار جنوب السعودية واليمن لجنت الدولة السعودية فوائد أمنية واقتصادية وعسكرية وقوة بشرية تنافس بها كل القوى في البحر الأحمر والخليج العربي والقرن الأفريقي، والحكمة العربية تقول الرجوع عن الباطل فضيلة فهل من عودة إلى طريق الحق تقوده الرياض، أرجو ذلك.

 

(الشرق القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة