العراقيون إذ يصنعون وطناً

في ساحة التحرير ماتت الطائفية ومات معها كل شيعي أو سُني، ووُلد العراق بجيله الشاب الثائر.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/RnqR3r
الخميس، 21-11-2019 الساعة 10:45

قالوا إنه مات، تلاشى، أكله حوت الطائفية والتشرذم والحزبية والفئوية، بل راح آخرون يتحدثون عن بلدٍ ما عاد له من حاضره سوى ذاك الماضي، يوم أن كان يجمع أبناءه على مائدة وطن يتسع لهم ولغيرهم، إلا أن عنقاء العراق خرجت من رمادها من جديد، لتبدأ صياغة القصة برواية ثائر عن ثائر حتى تصل إلى جذر بلد عركته القرون، فكان عراقاً يمرض ولكن هيهات أن يموت.

في ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية بغداد، بدأ تشرين الأول هناك مختلفاً، شهر يذكِّر كل عراقي ببداية العام الدراسي. كان تاريخ بداية العام الدراسي ثابتاً، الأول من تشرين الأول من كل عام، فلقد قررت جموع الشباب العراقي أن تتخذ من هذا التاريخ بداية لانطلاقة ثورة تختلف عما عرفته ثورات الشعوب العربية، سواء في موجتهم الأولى أو الثانية.

أراد العراقيون أن يعيدوا صناعة وطنهم، وطنهم الذي يعرفون أنه تبعثر، أو مات كما قال البعض، أو داسته سنابك الغرباء حتى عاد أوطاناً بلا وطن، أراد العراقيون أن يعيدوا كتابة فصل جديد من فصول عراق الاحتلالات السبعة عشر، عراقاً يليق بالعراق، فكان شعارهم "نريد وطناً" ربما هو أول شعار من نوعه يرفعه متظاهرون في بلداننا العربية، ولا أستبعد أنه أول شعار رفعه شعب في تظاهراته حول العالم، كان شعاراً أعمق من أن تصمد أمامه الدمعات وهي ترى أولئك الشباب الذين خرجوا يصرخون بأعلى صوتهم: "نريد وطناً".

تعرف ما معنى أن يخرج الشباب، وبعضهم لم يصل لعقده الثاني حتى، وهو ينادي "نريد وطناً"؟ إنه أقسى حالات الفقد التي يمكن أن يعيشها الإنسان، أقسى حالات الألم عندما يخرج مُواطن يبحث عن وطنه في وطنه، كان ذلك شبابَ ساحة التحرير.

هناك يعاد بناء العراق، في ساحة التحرير، تعاد صياغة وطن جديد، وطن عانى سنواتٍ حالكاتٍ، تفشَّى فيها الفساد والقتل والتمييز والطائفية والجهل والخراب، حتى كاد العراقي يكفر بهويته الوطنية، فلقد زرعوا بين كل طائفة وأخرى هويات قبلية وعشائرية بل حتى مناطقية، كانوا يريدون أن يندثر اسم العراق، كانوا يخافونه، وهم حكّامه وأحزابه وأمنه ورجالات دِينه.

إلا أن جيلاً من رماد اليأس نهض، عنيداً عتيداً، يحمل على عاتقه حلم وطن عاش ولم يعش فيه، سمِع عنه، كان يجلس كل يوم، يسمع من والده عن وطنٍ اسمه العراق، كان مهيباً، يعيش أبناؤه بلا تمييز، يتمتع الفرد فيه بنصيب من خيراته، وتعليم راقٍ ومستشفيات حديثة، وبعثات علمية تضم آلاف الطلبة يرسَلون كل عام إلى الخارج، ومصانع تنتج، وشوارع حديثة، وأبنية جميلة، وأسواق مركزية يباع فيها كل شيء بسعر حكومي مدعوم، وكان يحدّثه عن جيش خاض معارك ومعارك، بعضها في سبيل أمة العرب، الحلم المستحيل، وبعضها الآخر في سبيل الدفاع عن الوطن، وآخرها في سبيل شهوة حاكم.

تحسَّس جيل "البوبجي" تلك الذكريات، بحث عنها في ركام ما يعيشه يومياً، وهو الذي أخذ على عاتقه أن يوفر لقمة الخبز لبيت بلا مُعيل، فكان أن أشترى "التوك توك" الأرخص سعراً والذي لا يحتاج كثير مهارة، وراح يطوف بشوارع وطن آخر لا يشبه ذاك الوطن الذي حدَّثوه عنه.

شوارع وطن منهوب، بلا صرف صحي ولا تبليط ولا إنارة ولا أرصفة! يتقافز أمامه عشرات من أقرانه، يقودون "توك توك" مثله، أو يجلسون في فيء البيوت، أو على كنبات المقاهي لمن لديه ألف دينار تكفيه لشراء شاي وعلبة سجائر صغيرة تقضي عليه في أثناء جلوسه ليقتل الوقت، كيف لا وهُم عاطلون عن العمل وعن الدراسة أيضاً!

سنوات وهو لا يتمكن من الذهاب إلى الضفة الأخرى من النهر؛ لقد خوَّفوه من أخ له في الوطن، قالوا له: "سيقتلك؛ إنه لا يريد العيش المشترك معك، إنه إرهابي ناصبي، أو إرهابي رافضي"، فبقِي حبيس أحيائه ذات اللون الواحد، كان يسمع عن شقيقه في الوطن، فعباس ابن جاره، الأكبر منه بسنوات كثيرة، حدَّثه عن عمَر؛ صديقه في الملجأ أيام الحرب مع إيران، وكيف أنهما قاتلا معاً عدواً واحداً مشتركاً كان يريد أن يقضي على وطنهم الذي يحبونه.

عباس قال له كيف أنه أصيب وأن عمَر هو من تبرَّع له بالدم. ما زال عباس يتذكر ضحكة عمَر وهو يردد بأعلى صوته: "يا كاع ترابج كافوري"، يوم أن دخلت القوات العراقية مُحرِّرةً مدينة الفاو عام 1988، ويتألم عندما علِم أن عمَر قُتل أيام الطائفية المقيتة عام 2005، لا لشيء سوى أنَّ اسمه عمَر!

"كنا نعيش إخوة؛ عراقيون، لا يفرّق بين عراقي وآخر إلا بمقدار ما يقدّمه لهذ الوطن". ومضى سائق التوك توك يبحث عن عمَر، شقيق الوطن الذي باعدت بينهما دعايات الأحزاب التي جاءت من الخارج، وفجأة وجده في ساحة التحرير، نعم إنه هو، يشبه عمَر الذي حدَّثه عنه عباس ابن الجيران، ويشبهه أيضاً، إنه مثله عراقي، يبحث عن وطن.

في ساحة التحرير ماتت الطائفية ومات معها كل شيعي أو سُني، ووُلد العراق بجيله الشاب الثائر.. تلك باختصار، قصة وطن أرادوا له ألا يكون وطناً، بل شرذمة أوطان.. تلك باختصارٍ، حكاية شباب اشتاقوا إلى أن يكون لهم وطن يحبّهم ويحبّونه، لا وطن يقتلهم وتتقاسم ثرواته أحزابٌ غازية جاءت على ظهر دبابة محتل، في غفلة من زمن الوطن.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة