العراق والتجربة الحزبية

الاحزاب انساقت خلف أجندات خارجية، وأغلبها عمل على ترسيخ العمل الطائفي، ولم تصل إلى استراتيجية واضحة لإدارة وإعادة بناء العراق بعد الحصار والدمار.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/Lj8Jwo
الجمعة، 26-04-2019 الساعة 13:42

كانت الحياة السياسية العراقية قبل الاحتلال تتسم مترافقة مع موجة الإيديولوجيات القومية في الوطن العربي وترسيخ نظام الحزب الوطني الواحد، وكان لا مفر للمجتمع العراقي رغم تنوع مشاربه وأفكاره من أن ينحاز لهذه الموجة، ولتترسخ بعد ذلك معظم الحياة السياسية، وتصطبغ بلون القومية العربية، وإبعاد كل أشكال العمل السياسي والحزبي وحتى التجمعات الثقافية والفكرية، لتتوحد الصورة وتصبح بلون واحد.

وذلك أدى بالنتيجة إلى إقصاء كثير من النخب الفكرية والسياسية، وتقولب المجتمع المدني على نموذج الحزب الحاكم وحده، حتى أصبح عدم الانتماء لحزب البعث مثلبة بوطنية العراقي حتى لو كان من أشد المخلصين لبلده، وبات الحديث عن حزب أو جمعية من المحرمات التي يعاقب عليها المواطن، لذلك فقد العراقيون ميزة التنوع والإبداع وتقبل رأي الآخر، وهو ما أدى إلى تخبط شديد بعد ذهاب الحزب الحاكم.

ربما كانت الأحزاب الدينية من أهم الأحزاب التي ظهرت بعد الاحتلال، وذلك لكونها أحزاباً ذات تاريخ طويل وممتد لسنوات، ظهر بعضها قبل حزب البعث بعقود فكان الحزب الإسلامي ممثلاً للسنة، ونظيره الفكري حزب الدعوة ممثلاً للشيعة، أما على مستوى الأحزاب الكردية فقد كان الحزبان التاريخيان الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، أبرز الأسماء التي ظهرت، إضافة إلى أحزاب أخرى كالحزب الشيوعي العراقي، ومن ثم أصبحت الأحزاب السياسية تؤسس وتتكون دون مرجعية فكرية، ولا إيديولوجية بعينها، إنما من أجل الحصول على مكاسب انتخابية والاستفادة من ميزات يمنحها الاحتلال للعاملين في الحكومة.

الشعب العراقي شعب غير متدين بطبيعته، لكن الأحزاب الإسلامية سواء المحسوبة على الشيعة أو المحسوبة على السنة، كانت بعد الاحتلال هي الأقوى؛ ربما كردة فعل على حزب البعث القومي العلماني، فكان لها ثقلها الانتخابي والميداني حتى فشلت في إدارة الحكومة العراقية وإصلاح البلد.

تلك الأحزاب انساقت خلف أجندات خارجية، وأغلبها عمل على ترسيخ العمل الطائفي، ولم تصل إلى استراتيجية واضحة وقوية لإدارة وإعادة بناء العراق، بعد سنين الحصار والدمار والحروب، وفشلت في حمل إرث متراكم من المشاكل والمعوقات والتحديات، وهو ما أدى إلى تراجعها وانكفاء أعضائها، وقلة المنتمين الجدد إليها، وخسارة ثقة الشعب بها.

فالأحزاب الإسلامية اليوم غيرها عمن كانت في بداية الاحتلال، فربما تشكل 20% فقط من ثقل الأحزاب في المجتمع العراقي.

لكل زمن تياره الخاص وإيديولوجياته، ومع أن الأحزاب التاريخية ما زالت تناضل من أجل البقاء في الساحة العراقية فإن استراتيجية وبرامج هذه الأحزاب لم تعد تلبي طموح الشباب والمجتمع العراقي.

الأحزاب التاريخية لها من المرجعية الفكرية الأثر الأكبر، لكنها عاجزة عن إيجاد آليات تنهض بأتباعها خاصة والمجتمع عامة، فإن ظل الحال على ما هو عليه فستتلاشى وتندثر هذه الأحزاب في العقود القادمة.

ربما من أسوأ المصائب وأشدها بؤساً ارتباط معظم الأحزاب العراقية بأجندات خارجية تابعة لدول الجوار ارتباطاً تاريخياً وتمويلياً يقيد حركة الحزب ويتحكم في قراراته حتى ولو على حساب الوطن، لا بل حتى الأحزاب الجديدة والصغيرة بدأت بذات التوجه العام، وانساقت خلف دول خارجية للحصول على الدعم والمال، ومع أن المجتمع العراقي على قدر كبير من الوعي بمشاكله ومعوقات نهوضه، فإن الأحزاب السياسية تلجأ إلى أحضان الدول التي ارتبطت بها من أجل المشورة وإيجاد حلول لا يمكن تطبيقها على المجتمع والبيئة العراقية. ومتى ما استطاعت الأحزاب فك ارتباطها بدول التمويل فحينها يمكن أن يحدث تغيير ملموس للحالة السياسية العراقية.

في 2014 وما تلاها دخل العراق في دوامة العنف المتمثلة بداعش، فكان أثرها الانقسام واختلاف الرؤى في كيفية مواجهة هذا الاحتلال، وما كان قبلها هو المنافسة غير الشريفة في الانتخابات والحصول على المقاعد البرلمانية والمناصب الحكومية، فكلنا يعلم حجم السرقات التي قام بها سياسيون دون أن يحاسبوا، وترك لهم مجال أوسع للهيمنة على أحزابهم، ولأن الطائفية والمذهبية هي السمة الأبرز لمعظم الأحزاب العراقية، فقد كانت الانقسامات تحصل على نفس النسق، إنما لأهداف أضيق ومكاسب أكبر، فأصبح لدينا كنتونات جاهزة للانقسام داخل كل حزب لا يلبي أطماع بعض عناصره، فيحصل الانقسام ويزداد عدد الأحزاب دون فائدة تذكر للشعب المطحون.

لا يمكن تقدير حجم وقوة هذه الأحزاب الناشئة حتى توضع على المحك وتدخل في دوامة الحكم والبرلمان والتشريع، فكما أشرت سابقاً أن معظم الأحزاب الجديدة إما منشقة عن أحزاب تاريخية أو تكون أحزاباً وقتية لعدم وجود إيديولوجية واضحة تستند إليها.

ربما ظهور أحزاب شبابية عابرة للمذهب والطائفة والقومية تعتز بالهوية الوطنية وتعمل بشكل حيادي هي بداية لشكل الأحزاب في العراق، فإن نجح هذا النموذج فربما نرى تغييراً واضحاً على الحكومة والمشهد السياسي العراقي.

التفتت الحاصل في العملية الانتخابية العراقية هو بسبب تصادم المصالح الشخصية والحزبية الضيقة، فنحن قد شاهدنا على مدى سنوات تشكل جبهات وتجمعات تحت مظلة واحدة، لكنها تذوب وتتلاشى عندما تدخل البرلمان بسبب ضعف الارتباط وعدم مصداقيته، فالذي جمعهم هو الطمع في الحصول على أكبر عدد من الأصوات الانتخابية والمناصب، لكن بعد ذلك تتصادم المصالح وتظهر المشاكل على السطح، فتبدأ بالتشتت وانفلات عقدها، دون الاهتمام بمصلحة الوطن والمواطن.

يقاس نجاح الأحزاب بعدد المقاعد التي يحصل عليها تحت قبة البرلمان، فإن انقسمت وتشرذمت ضاعت جهود أفرادها هباء، وأصبح عمل أفرادها لا يجدي شيئاً، نحن اليوم بحاجة ماسة إلى توحيد الجهود والتشديد على الهوية الوطنية بدل اللهاث خلف مكاسب مادية آنية، فالحزب دون إيدولوجية ودون قاعدة جماهيرية مؤمنة به حزب فاشل، حتى لو بقي اسمه مسجلاً في سجلات الدولة.

التشرذم والتشظي الحاصل يجعل المواطن يفقد ثقته بكل عمل مؤسسي، ومن ثم ربما ينأى بنفسه ويقاطع العملية الانتخابية، وهذا سيؤدي إلى هيمنة ديكتاتورية لا تجد من يمنعها ويقف في وجهها فنعود للمربع الأول وما قبله من سلطة الحزب الواحد، وهذا ما لا نرجوه لبلدنا.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة