المبتعث وتحديات الأسرة في الغرب

الضغط يتزايد والتطرف القانوني مستمر وتخصيص مساحة أكبر في كل زاوية من السوشال ميديا وفي منصات التعليم والإعلام يتضاعف

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/dqWrAV
الثلاثاء، 01-03-2022 الساعة 13:30

اتصل بي د. عبد الرحمن الطبيب المتخصص المتفوّق في كندا، والذي حقق حضوراً مميزاً في المشافي الكندية التخصصية، وتواصلت عليه العروض في ختام رحلته كاستشاري، أصبح الشاب الخليجي محل اهتمام المرضى الكنديين، الذين اشترطوا أن تكون عمليتهم الدقيقة تحديداً على يد هذا الطبيب الخلوق المتمكن، فبدأ المستشفى يُجدول عملياته، كنتُ دائماً أستحضر قدوته الجميلة كشاب يعكس أخلاق المسلم، والنبلاء في المجتمع العربي لدينا، ولم يكن للدكتور عبد الرحمن أيُّ نشاط أو حضور سياسي، وإنما هو شاب أنهى دورات الدراسة وتخصص، وجدول عودته للوطن.

لكن عبد الرحمن تلقى عروضاً مميزة للبقاء في كندا، والحصول على عقد مجزئ مع فرص تعاقدات أخرى، فضلاً عن الجنسية، ولم يكن له أي إشكال يتردد به على وطنه، ويعود بعد فترة نجاح أو يتردد بين الوطن الأصيل والوطن الجديد، وفي كليهما فرصة حضور مهني، لكن قلق عبد الرحمن كان يتجه في ناحية أخرى، تحدثنا عنها مراراً لاهتمامه بهذا الملف.

فعبد الرحمن، الشاب المتدين في عبادته وسلوكه واعتداله، وكذلك زوجته، كان القلق يحضر لديهما تحت تأثير الضخ الجديد للجندر الإلحادي في العالم الغربي، وبالذات لدينا في كندا وهو السؤال القائم اليوم بصورة واسعة، وحين نطرحه لا نجزم بحتمية أن تقع أي أسرة في مشكلة اجتماعية أو فكرية، يكون ضحيتها أحد أولادهم، ولكن الأمر اليوم صار حقيقة مقلقة، وإن وجد الكثير من العائلات الناجحة، من المهاجرين العرب والمسلمين. غير أن ابنتهم دخلت سن القلق الأكبر للأسرة المسلمة، والخشية من السقوط بين دفتي الإلحاد والمثلية، أو اضطرابها النفسي والفكري، تحت هذا الضخ المهول، الذي صار يُجرّم قانونياً منابر الدفاع الصريحة عن الأسرة الفطرية، لو انتقدت الحملات الجندرية الأخرى، وضيّقت المساحة على حقوق الدفاع القيمي، إلّا من خلال لغتنا الحذرة، في ظل تتالي القوانين المتطرفة ضد الأسرة وحق الضمير الديني.

بعدها شعرتُ أن هذا النموذج الشبابي الأخلاقي الرائع لأبناء الخليج العربي، الذي دوماً أقول له ممازحاً: ليتنا نستنسخك يا أخانا العزيز وطبيبنا الجميل، قد اتخذ القرار الصعب: "أبو عبد العزيز، حبيت أسلم عليك". هل قررت؟ نعم.. نازل إن شاء الله بصورة نهائية، لكن سيظل هناك عقد مع المستشفى الكندي، عُرض علي للعودة مستقبلاً وإجراء بعض العمليات التخصصية.

جدول عبد الرحمن عودته مع آخر مريض سجل في قائمة الانتظار، لكي تجرى العملية بيد هذا الشاب الصالح النبيل، وطلب من المستشفى الاعتذار عن الطلبات الأخرى، لم أُناقشه فقد تحدثنا عن الأمر عدة مرات، وهو وزوجته ذوا رأي راشد وتدبر ولا يستعجلون الأمر.

كان عبد الرحمن حريصاً في تواصله على فهمٍ أوسع أفقاً لتربية أولاده بالقيم الأخلاقية، لتشكيل درع وقاية لهم، وفي ذات الأمر يُفهِم الشريك الكندي المختلف بكل أدب موقف الإسلام من الفطرة، وهكذا يجيبان أسئلة واهتمامات ابنتهم رعاها الله ورعاهم حيث كانوا، وكل شبابنا وأسرنا الصغيرة.

لكن الضغط يتزايد والتطرف القانوني مستمر، وتخصيص مساحة أكبر في كل زاوية من السوشال ميديا، وفي منصات التعليم والإعلام يتضاعف، وهنا كانت مداولة الأمر تحتاج إلى حساب دقيق، وهو مساحة الخطر على الطفل، ومآل الأمر حين تفقد الأسرة العلاقة مع فلذة كبدها، أو حين يفقد استقراره النفسي، فكم هي قدرات النجاة والنجاح في البيئة الغربية، هذا قبل قضية تفعيل التدخل الحكومي بين الأسرة وبينها، وعند الاقتراب من سن العاشرة تبدأ مساحة الخطر.

لكن ماذا عن واقعنا في الخليج العربي، أو في بلدان الوطن العربي والشرق المسلم! أليس هناك حالات ضغط وتسرب من القوة العالمية الجديدة للجندر القهري الإلحادي، ألا يوجد إلحاد وتنمر ضد الوالدين؟ نقول بلى، بكل تأكيد.. الفارق هنا الذي أتفهم به قرار عبد الرحمن، هو رفع الضغط الجندري المستمر والمباشر عن ابنتهم، وبقية الأطفال، الذي يُمطر بصورة مباشرة وغير مباشرة، والثاني أن المحيط الاجتماعي في البلد الذي يتمسك بالفطرة، وخاصة حين يكون ذلك من خلال اعتدال المجتمع المحيط ورعايته للفتاة والمرأة، فهو يشكل للأبوين دعماً معنوياً مهماً، يساعد في عبور الطفل إلى الحياة الآمنة المطمئنة نفسياً، قبل الوقوع في البئر المفقودة. ماذا عن بقية الشباب المبتعثين أو المقيمين أو المهاجرين، هل الجميع يعود وأين وكيف يعود، هل المسألة مآلات حتمية لأطفالهم؟ كلا.. ليس الأمر كذلك وللحديث بقية.

Linkedin
whatsapp