المستشارون في المنطقة: حقيقة المسمى ووهم المضمون

أين هي توصيات الاستشاريين الذين أنفقت عليهم حكومات الخليج البلايين من الدولارات في الأعوام السابقة من أجل مساعدتها في تنويع مصادر الدخل القومي؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/R4DkYY
الأربعاء، 24-06-2020 الساعة 20:15

واقع: مع تفاقم سوء الوضع الاقتصادي في منطقتنا الخليجية، بسبب تبعات فيروس الكورونا وما شهدته المنطقة من إغلاق كثير من الأنشطة، أو تذبذب أسعار البترول، أعلنت معظم حكومات المنطقة إجراءات صارمة، ودعت إلى التقليل من الإنفاق العام، واستقطاع الرواتب والمخصصات المالية والمكافآت، والدعوة- من جديد- لتنويع مصادر الدخل القومي.

ورغم أن الدعوات إلى تنويع مصادر الدخل قديمة، فإن المنطقة لم تتعلم من الأزمات السابقة.

حقائق: السؤال الأهم في هذا السياق: أين هي توصيات الاستشاريين الذين أنفقت عليهم حكومات الخليج البلايين من الدولارات في الأعوام السابقة من أجل مساعدتها في تنويع مصادر الدخل القومي؟

وللتذكير؛ بلغت أرباح شركات الاستشارات في منطقة الخليج، المُعلن عنها في عام 2019، 3.3 بلايين دولار، منها 1.1 بليون دولار لتقديم استشارات في مجال تنويع مصادر الدخل القومي.

المملكة العربية السعودية استحوذت على نصيب الأسد في الصرف على شركات الاستشارات (1.6 بليون دولار)، ورغم صدور كثير من القرارات بعدم الاعتماد على هذه الشركات فإن القرارات لم تدخل حيز التنفيذ، كغيرها من القرارات.

قطاع الاستشارات شهد نمواً في عام 2019 بنسبة 9.9٪؜ منها 7.6٪؜ نسبة نمو في دولة الإمارات العربية المتحدة (قرابة الـ900 مليون دولار) والكويت بنسبة 8.8٪؜ نسبة نمو في هذا القطاع، ومع الأزمات التي تمر بها المنطقة عام 2020، والحاجة إلى تقليص الإنفاق العام، سيتوجه كثير من الوزارات والحكومات للاستعانة بهؤلاء الاستشاريين من جديد!!! فالإمارات تستعد لاستضافة إكسبو 2021، وقطر تستعد لاستضافة كأس العالم 2022، ومع دعوة الحكومات إلى وجوب التقليص، يُهرع صناع القرار إلى الإسراع في توقيع اتفاق مع الشركات الاستشارية لمساعدتهم في هذه المهمة الصعبة. ولكن السؤال الأهم: لماذا ما زلنا نستعين بشركات الاستشارات؟ وما النتائج التي حققتها؟

مفارقة: وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة يكفيك الاستماع إلى بعض الاستقراءات من صناع القرار في المنطقة لتتوصل إلى أن: معظم من يعمل في هذه الاستشارات في منطقتنا هم شباب عرب، ليسوا من ذوي التخصص، ولدى معظمهم شهادات في إدارة الأعمال، وبعضهم حصل على شهادات ماجستير من جامعات أجنبية. ويُزَجُّ اسم الخبراء الأجانب لتقوية المقترح المقدم إلى الجهات الحكومية، ولكن معظم العمل يصب على هؤلاء الشباب الذين تنقصهم الخبرة. فيأتيك هذا الشاب ليجلس أمام الكفاءة الوطنية مجلس الخبير، في حين أن هذا الخبير لا يعلم السياق ولا البيئة ولا التحديات التي يواجهها هذا القطاع.

في مقالة في الواشنطن بوست لـ Calvert W. Jones يذكر أن هذه الشركات وجدت نفسها في بيئة يُسْتَغنى فيها عن الكفاءات بسهولة، وهو ما خلق دافعاً سلبياً لهذه الشركات لمحاولة البقاء والاستفادة، ولو كان على حساب المبادئ المهنية. فالكل أصبح خائفاً، الموظف المحلي يريد أن يصل إلى بر التقاعد بأمان؛ لأنه شهد كيف جرى التخلص من الكفاءات، والاستشاري يريد أن يجدد عقده ، فكيف نأمل أن يحدث التغيير؟!

تنبيه: هذه الشركات اقترحت نماذج للحوكمة، واستراتيجيات لمشاريع وطنية حساسة، مكنت هذه الشركات من الاستحواذ على معلومات مهمة كجزء من عملها على هذه المشاريع، وهو ما وضعها في موضع قوة عند التعامل مع العميل، وفي نفس الوقت يستخدم بعض صناع القرار هذه الشركات لتبرير قرارات ذات طابع شخصي، بحجة أن هذه هي توصيات المستشار. 

دعوة: أدعو دواوين المحاسبة في منطقتنا إلى إجراء تحليل التكلفة والمنفعة لاستخدام هذه الشركات؛ ليتبين لنا مدى تأثيرها وضررها على خططنا ومشاريعنا الوطنية.

ودعوني أختم بالسؤال: لماذا لا يُستعان بالخبرات الوطنية والخبرات المحلية؟ دول الخليج استثمرت في العقود الأخيرة المبالغ الطائلة في البنية التحتية التعليمية، وبرامج الدراسات العليا، والشهادات المتخصصة، كما استثمرت مبالغ هائلة في البرامج الوطنية لإعداد القادة، أضف إلى ذلك صفوف الخبراء من المتقاعدين، أصحاب الذاكرة التاريخية التي جاء الاستغناء عنها بتوصية استشاري همس بها في أذن متنفع.

أمَا آن لدول الخليج أن تعي الدرس، وتتعاون فيما بينها، لتكتشف أن العروض التي تقدمها معظم هذه الشركات ما هي إلا نَسخ ولصق، مع تغيير علم الدولة واسمها؟!

أختم بأنه خلال الأزمة الخليجية الأخيرة افتُتح كثير من المراكز الاستشارية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، يدّعي كل مركز منها مصلحة العميل، وأنه سيعمل على إيصال صوته وتبييض صفحته لدى صناع القرار. هذه الشركات لا يهمها إلا الربح الذي تجنيه نهاية كل عام. سألت أحد المختصين العرب عن رأيه، فقال لي: "رزق الهُبل على المجانين".

دمتم بخير

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة