الموقف الغربي الجديد والمذبح السوري

إن الغرب اليوم يُبصر خديعة الفكرة التي تقول دع الأقليات تتمكن من الغالبية، وقد احتج لافروف وزير الخارجية الروسي بذلك منذ سنوات.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/KWe3Rq
الثلاثاء، 08-03-2022 الساعة 14:10

قد يتبادر لمن يقرأ العنوان أن المقال يُشير إلى الازدواجية الفاقعة في تراتبية حقوق الشعوب المسحوقة، والتي واجهت حروب إبادة قبل أن يتعرض الشعب الأوكراني للغزو الروسي المُدان بالطبع، وهذه قضية مفروغ منها ويطول الحديث عنها، ولكنها ليست موضوعنا، كما أن هستيريا القرارات التي شملت الشعب الروسي في قضايا إنسانية موقفنا الرافض لمس المدنيين الأبرياء يعتمد على مرجعيتنا الكبرى في قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.

ولكن يشدنا حجم المسرح الذي سقط لحفلات الضجيج العالمية منذ عقود عن عقلانية وأخلاقية الحضارة الغربية المادية المعاصرة، دون أن نُسقط جوانبها الإيجابية وتجربتها التي يمكن أن تسفيد منها الإنسانية.

إن قضية المقال هي تحديداً في فكرة الغرب اليوم عن أثر التطرف الروسي ووحشيته، وطريقة تفكير بوتين التي لا تُبالي بالحسابات الإنسانية، وهي إرث مشترك لليبرالية الغربية وذراعها العسكرية، كما كانت في الشمولية الشيوعية بالأمس بتوقيع اليسار العالمي، وهي اليوم بتوقيع القيصرية الجديدة.

إننا نشير بوضوح هنا إلى مستقبل سوريا، نعم تحديداً مستقبل سوريا في ظل الدرس الكبير الذي طرحه الغرب على العالم، هل سيقوم الغرب بناءً على ما وصل إليه من تقييم السياسة الروسية بتصحيح موقفه، لا ننتظر منه قرار حرب ولا إنزال قوات، ولكن العمل على تأمين ذلك الشعب الذي ذُبح أطفاله ونساؤه ومدنيوه، في صور أشد فظاعة وأعداداً من الشعب الأوكراني المغدور.

إن هذا المآل لشرقي أوروبا هو رسالة للرأي العام الغربي، وليس الساسة فقط، ولكن الساسة هم المسؤولون وهم المذنبون، والذي يؤكد أن ترك التوسع الروسي الذي أُعطي له الضوء الأخضر، بقرار من الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، قد ارتد على السلام العالمي، هذا ما يقوله الغربيون في وصف تضخم بوتين، بغض النظر عن رؤيتنا الناقدة لهم في تحديد معادل السلام العالمي بين بقية الشعوب، ومن هو المجرم ومن هو الضحية.

فهنا قفز أمامهم معنى التوسع الروسي على حساب الضحايا، وأن الفكرة الخطرة لديهم ليست في قتل وذبح عرب أو مسلمين أو آسيويين أو أفارقة من أي ملة أو دين، ولكنها في إتاحة الفرصة لسياسات القمع الإرهابي الشامل، الذي تنفذه الأنظمة في صورة إرهاب الدولة، ومن ثم ما نطرحه هنا نموذج للتفكير الواقعي، عن أنهُ مهما كانت نتائج المواجهة مع روسيا، فإن الغرب مسؤول أخلاقياً وسياسياً عن مآل المذبح السوري.

فهو يملك فرض منطقة تأمين للاجئين كما يملك دعم فرص تسوية أكبر لصالح الشعب السوري، والثورة السورية كمبدأ وتاريخ ستظل في صدور الأجيال تجدد بعثها في زمن مختلف لا يتلاعب به الأصدقاء، ولذلك لم أطرح هنا موازين حرب عسكرية بين الثورة وبين النظام؛ لأن هذا الأمر قد حسم بين القوى الإقليمية، واعتمده القرار الغربي والروسي الدولي، ولكن وقف المذابح والقصف، وفرض تسوية سياسية تمنع ذيل بوتين في دمشق من مواصلة الإبادة للشعب السوري، وهو توجه يمكن للغرب أن يلعب فيه دوراً قوياً.

ومن المؤسف أن المعارضة السورية قد استنزفت واستهلكت قوتها، بين كوارث الميدان وبين جولات السياسة والمفاوضات المتعددة، والتي تناوب عليها عدة دول، وطبيعة دول الأطراف، ومن ضمنها الدول العربية، أنها تتماهى مع المركز العالمي حين يتخذ مداراً فتتعاون معه أو تراعيه، والمسار اليوم ليس في ثورة عسكرية مقابل نظام، ولكن في تسوية سياسية لصالح حياة الإنسان والشعب الذي هُجّر 12 مليوناً منه، وذبح مئات الآلاف وأن بقاء حمام الدم ستظل لعنته على العالم، وهو ما ثبت في صراعات الهجرة إلى الشمال.

إن الغرب اليوم يُبصر خديعة الفكرة التي تقول دع الأقليات تتمكن من الغالبية، وقد احتج لافروف وزير الخارجية الروسي بذلك منذ سنوات، وبرر دعم موسكو للأسد، فالأقليات والغالبية هم شعب واحد وفي أرض لا يمكن أن تقسم بين الناس بناء على مذاهبهم، ولكن بناءً على وجودهم وتشاركهم الإنساني والدستوري لوطن عدالة وحضارة.

Linkedin
whatsapp