ترامب وبايدن واتفاقية باريس للمناخ!

أهم مكسب لعودة الولايات المتحدة للاتفاقية هو استعادة العالم الثقة مجدداً في الجهود الأممية لمواجهة تحديات التغير المناخي

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/vA9Evw
الأربعاء، 27-01-2021 الساعة 22:30

وأخيراً التقط العالم أنفاسه بعد سلسلة من الأحداث الصاخبة؛ بدأت من الانتخابات الأمريكية وتجاذباتها، مروراً باقتحام الكونغرس وتداعياته، وانتهاء باحتفالية تنصيب الرئيس الجديد، وسلسلة قراراته.

ومن اللافت أن على رأس القرارات الرئاسية في الساعات الأولى للرئيس الأمريكي الجديد العودة مجدداً لاتفاقية باريس للمناخ التي انسحب منها سلفه ترامب، فما أهمية هذه الاتفاقية لتحظى بهذا الاهتمام؟ ولماذا انسحب منها ترامب؟ وماذا تعني عودة الولايات المتحدة لها من جديد؟

اتفاقية باريس للمناخ هي باختصار الإطار العالمي الوحيد الذي توافقت عليه 194 دولة من دول العالم لمواجهة تحديات التغير المناخي، هذا "الإنجاز" -إن صح التعبير- تم التوصل إليه في مؤتمر الأمم المتحدة الـ21 للتغير المناخي، الذي انعقد في العاصمة الفرنسية في 2015، وسمي على أثر ذلك بـ"اتفاقية باريس".

تهدف الاتفاقية إلى الحد من ارتفاع درجة حرارة العالم وإبقائها ما "دون درجتين مئويتين"، وإلى "متابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1.5 درجة مئوية"؛ وذلك بقطع انبعاثات الغازات الدفيئة لمستوى دون مستوى العصر الصناعي، ولعلنا نوضح معنى هذه الحيثيات الفنية في مقال آخر.

والآلية التنفيذية التي ساهمت في الوصول إلى الاتفاقية كانت بأن تقدم كل دولة مشاركة مجموعة من "المساهمات الوطنية الطوعية" (Nationally Determined Contributions - NDCs) توضح فيها المستوى الذي تهدف للوصول إليه من قطع الانبعاثات، وكيف سيساهم كل قطاع من القطاعات الحيوية (الصناعة، الكهرباء، المواصلات، وغيرها) في قطع الانبعاثات.

ومعظم هذه المساهمات والإجراءات تتطلب استثماراً وتحتاج لميزانيات قد لا تكون في متناول بعض الدول، وخاصة النامية، لذلك فإن المحور الآخر في هذه الجهود الأممية مرتبط بمساهمة مالية إضافية من الدول الغنية للدول النامية، ورُصد 100 مليار دولار لذلك، والدول النامية تطالب بأن يكون هذا المبلغ هو "الحد الأدنى" من المساهمات والدعم لا "الحد الأعلى".

ولكن.. لماذا انسحب ترامب؟ من وجهة نظري هنالك عدة عوامل دفعت باتجاه هذا القرار؛ أولاً الدافع الاقتصادي الذي جعله الملياردير الأشقر بوصلة كثير من قراراته، فهو يرى ويزعم أن هذه الاتفاقية تعطي ميزة تنافسية للمنتجات الصينية على حساب الأمريكية، كما أنه لا يريد إغضاب اللوبيات الداعمة له وكبريات شركات النفط والغاز الأمريكية، وفوق ذلك فهو ينظر أسفل قدميه وللسنوات الأربع من عمر دورته الرئاسية ولا يريد توجيه الإنفاق لمشاريع بيئية ستؤتي أكلها بعد حين.

ونضيف إلى ذلك "المنطق الترامبي" غير المبني على الحقائق العلمية، الذي يعتبر أن التغير المناخي "كذبة ومؤامرة" ليس أكثر، ونزيد عليه كذلك شعاره المعروف (أمريكا أولاً) الذي ردده مراراً وتكراراً في خطاباته وبرر به قراراته، فهو لا يريد أن يقدم الدعم المادي المنصوص عليه في الاتفاقية للدول النامية، ويرى ذلك عبئاً يجب ألا تتحمله الولايات المتحدة، بل يطالب دولاً مثل الهند والصين بأن تتحمل تكاليف دعم الدول النامية! ولن نستغرب إن كان للنكاية السياسية بالديمقراطيين وبسلفه أوباما دور في هذا القرار؛ فكما حاول باستماتة إلغاء مشروع الرعاية الصحية المعروف بـ"أوباما كير"، ليس من المستبعد عنه محاولة إخراج الولايات المتحدة من اتفاقية هندسها ودعمها أوباما وتعهد فيها بخفض الانبعاثات الأمريكية المسببة للاحتباس الحراري بنسبة تتراوح ما بين 26 و28% بحلول 2025 عن مستوياتها في 2005، والوصول لهذا المستوى يتطلب جهوداً وتغييرات ليست بالبسيطة في بنية الصناعة الأمريكية.. وهذا ما لم يكن يريده ترامب.

وبالمناسبة فاتفاقية باريس هي أول اتفاقية من هذا النوع تنضم لها الولايات المتحدة، فاتفافية (كيوتو 1997) لم تنجح إدارة كلينتون حينها في إقناع الكونغرس بالمصادقة عليها، وهو ما جعل تنصل ترامب من باريس أسهل نسبياً، وساعده في إقناع شريحة ليست قليلة من الشعب الأمريكي الداعم له ولسياساته.

ما أهمية عودة الولايات المتحدة لهذه الاتفاقية من جديد؟ باعتقادي أن أهم مكسب لعودة الولايات المتحدة للاتفاقية هو استعادة العالم الثقة مجدداً بالجهود الأممية لمواجهة تحديات التغير المناخي، فخروج الولايات المتحدة كان سيشجع دولاً أخرى مثل الصين والهند وغيرها على الخروج من الاتفاقية التي تعاني أساساً من عدم التزام بعض الدول بتعهداتها الطوعية لخفض الانبعاثات، فضلاً عن الصعوبات التي كان سيضيفها الانسحاب لأي جهود مستقبلية لاتفاقيات ما بعد باريس.

ويجب ألا ننسى ثقل الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد في العالم، وثقلها التكنولوجي والمعرفي، والذي سيوفر دعماً مادياً وفنياً للدول المشاركة في هذه الاتفاقية، وهو دعم مهم في ظل تسارع تأثيرات المناخ على مناطق عديدة من العالم.

كما أن التزام الولايات المتحدة بخفض انبعاثاتها، وهي ثاني أكبر دولة في العالم من حيث الانبعاثات الكربونية بنسبة 15%، يعني خفضاً كبيراً ومهماً للانبعاثات خلال السنوات القادمة.

إن جدية الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه هذه قضية واضحةٌ جداً، وتكفي الإشارة في هذا الصدد إلى وضع ملف "التحدي المناخي" كثاني أهم أولويات الإدارة الجديدة، مباشرة بعد جائحة كورونا.

فهل ستسهم هذه العودة المتحمسة من الولايات المتحدة في تسريع الجهود الدولية لمواجهة تحديات التغير المناخي؟! نأمل ذلك.

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة