حاجة أبنائنا إلى الثقافة الرقمية

على المؤسسات التربوية المستقلة أن تبادر إلى تبني دراسات معمقة لسلبيات ومخاطر البيئة الرقمية الجديدة.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/3mjz9b
السبت، 03-04-2021 الساعة 17:56

كل يوم تتوغل البيئة الرقمية في حياتنا أكثر وأكثر ، فقد أصبح التعليم رقمياً، وأصبح كثير من المعاملات التجارية يجري بصورة رقمية، وأصبح كثير من المناشط الثقافية والاجتماعية والترفيهية تتم في البيئة الرقمية الجديدة، وجميع هذه المناشط تتحرك في فضاء مفتوح وبأشكال متعددة، وتنصهر فيها ثقافات وأفكار متعددة ستساهم في صناعة مجتمعات جديدة.

ورغم كل هذه التحديات التي أحدثتها الثورات المتلاحقة في مجال الاتصال والمعلومات، وفي عصر مجتمع المعرفة والفضاء المفتوح، ومع تطور وسائل الإعلام الجماهيري، وظهور الإعلام الرقمي، وطوفان وسائل الإعلام الاجتماعي بتطبيقاته المتعددة، والتدفق الهائل لملايين المحتويات الرقمية؛ في ظل هذا الطوفان الإعلامي ما تزال معظم المؤسسات التربوية تبدو وكأنها غير معنية بإعداد الأجيال للتعامل مع هذه البيئة الرقمية الجديدة.

رغم ما تقدمه البيئة الرقمية من وعود وتسهيلات وإغراءات، وما تفتحه من نوافذ جديدة للمعرفة والتواصل والترفيه، فإنها تترافق مع كثير من المخاطر والتحديات مع تعرض الناشئة للمحتويات الرقمية على مدار اليوم، والتهديدات المتعددة التي يتعرضون لها في هذه البيئة؛ كالتنمر والتحرش والابتزاز، فضلاً عن التعرض للمحتويات الجنسية والعنيفة، والمحتويات التضليلية، والمحتويات ذات الطابع التجاري والسياسي والأيديولوجي، ورغم كل هذه التحديات فإن معظم مؤسساتنا التربوية تفتقد إلى الثقافة الرقمية لتوجيه الجيل الرقمي للتعامل الإيجابي مع التقنية الرقمية، والاستفادة مما تقدمه من الوعود مع تجنب ما تحمله من مخاطر.

والثقافة الرقمية لا تعني مجرد التعليم الرقمي للوصول إلى المعلومات واستخدامها، ولكنها تحمل معنى أعمق، فهي تهتم بنوعية الاستخدام وأغراضه ومخاطره، وكيفية الاستخدام السليم للتقنية الرقمية للأغراض السليمة، مع تجنب المخاطر ومع القدرة على تقييم المعلومات ونقدها ومعرفة خلفياتها الفكرية والإيديولوجية، ومعرفة كيفية حماية أمننا المعلوماتي وحماية خصوصياتنا، ومعرفة الوعود المعرفية والاقتصادية التي يقدمها العالم الرقمي للاستفادة من هذه الوعود لتنمية مهارات الأبناء وإعدادهم لسوق العمل الرقمي الجديد، ومساعدتهم على استكشاف فرص العمل عبر الوسائط الرقمية، وتعزيز قدراتهم على التواصل والحوار والترويج الرقمي لثقافتنا وأفكارنا وقيمنا.

مع تصاعد تحديات البيئة الرقمية بدأت الأصوات العالمية ترتفع للعمل من أجل تنمية الوعي الإعلامي لدى الناشئة، واعتبار ذلك حقاً من حقوق الإنسان في مجتمع الإعلام الحديث. إلا أن الملاحظ أن الأنظمة العربية مشغولة بمحاولة استغلال فرص العالم الرقمي في صناعة واستيراد تقنيات التجسس والمتابعة وانتهاك الخصوصيات والتقليل من تدفق المعرفة؛ بل إن ثمة معلومات تؤكد تورط بعض الأنظمة في استخدام تسهيل تدفق المحتويات غير الأخلاقية عبر وسائل الإعلام الرقمي لتدجين الأجيال القادمة، فضلاً عن توظيف الذباب الإلكتروني في تزييف الوعي وإشاعة المعلومات المزيفة والمضللة، وهذا الاستغلال السلبي للفضاء الرقمي يفرض على الآباء والتربويين التحرك الجاد للضغط من أجل فرض ثقافة رقمية حقيقية تعمل على تحصين الأبناء من التأثيرات الضارة وحمايتهم من التأثيرات السلبية، وتمكينهم من الاستغلال الأمثل لجميع إيجابيات التقنية الرقمية.

وعلى المؤسسات التربوية المستقلة أن تبادر إلى تبني دراسات معمقة لسلبيات ومخاطر البيئة الرقمية الجديدة، وإعداد الأدلة والإرشادات لكيفية الاستفادة من الإيجابيات وتجنب السلبيات.

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة