حاجة الخليج العربي للخطاب الإسلامي المدني 

أدى الاستبداد دوراً كبيراً في قطع الطريق على محاولات الشعوب استرداد كرامتها وتطوير حياتها الاقتصادية والتعليمية والصحية

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/b1d89o
السبت، 09-01-2021 الساعة 16:16

حديثي هنا لن يتوقف على الحدود السياسية المتوترة بين خطوط دول الإقليم الخليجي ذاته، أو في داخل دوله، وإن كانت طبيعة النظام السياسي تلعب دوراً كبيراً في الحياة الثقافية والعلاقات الاجتماعية.

وحتى أحصر المقال في موضوع محدد لا تختطفه سيولة الأحداث والأفكار التي تهيمن على الخليج العربي اليوم، بل على الوطن العربي والعالم من حولنا، أُحدد رسالة المقال في هذا الإطار: في ظل هذه التحديات الفكرية والاجتماعية ما الذي يمكن أن يقدمه الفكر الإسلامي المدني ببعده المقاصدي؛ أي الذي يعتمد على كليات الرؤية الكونية للإسلام، في مقاصد الشريعة الكبرى، لحياة المسلمين بذاتهم وكشركاء في هذه الأرض؟

إن هذا الهدف اليوم تقابله أزمة، هذه الأزمة أول خلل في التصور الديني القديم عند التيارات الأيديولوجية أو التراثية في المجتمع الخليجي، وهي اعتقادهم بأن القلق من أزمة الأخلاق والقيم، وعلو وهيمنة حركة التسليع للإنسان، ونزعه من أي منظومة تعامل أخلاقي داخل الأسرة الصغيرة أو أسرة مجتمعه، هو خاص بهذا الإنسان المتدين بموجب معايير الصحوة أو أي معيار تراثي فقهي آخر.

وهذا خطأٌ كبير؛ فالمجتمع العربي في الخليج، ومن ضمنهم الإنسان العادي غير الملتزم بمعايير التدين الصحوي أو التراثي، والذي يعيش مساحة انفتاح في الحياة على الفنون والعلاقات واللباس الشخصي في الجنسين، يشترك في هذا الهم والقلق، وهو أيضاً يفزع من تحول المجتمع إلى أنماط استهلاكية غربية.
وفي ذات الوقت دعوات التقدم المزعومة لهذا المجتمع لم تُخرجه من أزمة مجتمعه المحلي؛ في العصبيات على سبيل المثال، أو في مراعاة حقوق الطبقات المتعددة، أو في لغة التخاطب الشخصي.

فهذا القلق همٌّ عام، وضاغط ومهدد لسكينة الفرد والأسرة والمجتمع، غير أن معالجة هذه الأزمات داخل الأزمة الكلية؛ وهي دفع الخليج العربي في سوق التسليع الفكري، الذي من الواضح تماماً أن من يحصد فيه اليوم مشروع صهيوني تنفيذي قائم، وليس مخاوف كانت تُردّد منذ الزمن القديم، ثم السوق الرأسمالي الغربي الذي يتوحش في طريقين؛ السلع الاستهلاكية وفرضها على المواطن العربي.

والثاني الفكر التسليعي للمواد الثقافية والفنية، وتحويل الإنسان إلى عالم الديجيتال، وبينهما عواصف شديدة تقتلع المفاهيم الإيجابية من حياة الأسرة العربية، ولا تقدم بنية مدنية تنهض بالفرد وحياته الشخصية التي تنعكس على تحضر المجتمع، أي إننا هنا لا نرفض أبداً أي وسائط فكرية أو إدارية لتجارب الغرب يمكن أن تستفيد منها شعوب الخليج العربي، وإنما نسعى للمنع الممكن من تأثيرات الآثام الأخلاقية، والتي لا تُسقط الأسرة العربية المسلمة، بل كان لها دور سيئ في عالم الجنوب، نزعته من رحلة الأمل للبناء الذاتي الامستقل، نحو النهضة والرفاه والعدالة الاجتماعية التي حلم بها الجنوب العالمي، وألقته في صراعات مع الذات والأسرة وقيم المجتمع في تلك البلدان، بدلاً من التصحيح الذاتي لأزمة تلك المجتمعات، وتوجيهها نحو التعاون والتعاضد.

وقد أدى الاستبداد دوراً كبيراً في قطع الطريق على محاولات الشعوب استرداد كرامتها، وتطوير حياتها الاقتصادية والتعليمية والصحية، وعاد الغرب الاستعماري بثوبه السياسي من خلال فشل الاستبداد رغم أفكار اليسار الجنوبي الإيجابية في تحرير الشعوب من هيمنة الشمال كما هي تجربة أمريكا اللاتينية.

فأول خطوة يحتاجها أي بناء فكري إسلامي اليوم يسعى لمواجهة أزمة الثقافة والسلوك، وكيف تحمى المجتمعات هو الخروج من مربع التصورات التي كانت مهيمنة على التفكير الديني زمن الصحوة، فعالم اليوم ولغته، بل وواقع حركة الفكر الإسلامي ذاته، تخلفت عن مسارات مهمة جداً للتفكير والحداثة الإسلامية خارج شروط الأنسنة الغربية المزعومة، وتملك في ذاتها رؤية مناسبة لخطاب الجيل المعاصر.

وهذا لا يمكن أن يتحقق دون الخروج من فكرة نموذج الجماعات إلى سعة المجتمع الحيوي بكل شرائحه، وهذا لا يعني عدم مشاركة نماذج إبداع من أي مجموعة دينية دعوية أو تراثية، لكن الخليج العربي، المزدحم اليوم بغيوم متلبدة تمطر عليه آثام الفكرة الغربية عن الإنسان، بحاجة ماسة إلى خطاب إنساني أخلاقي يقول له نحن شركاء في قيم الإسلام حتى مع اختلاف الاجتهادات، وهذه القيم لا تمنعك من الفنون، ولا من اختياراتك الخاصة، ولا متعك الشخصية، وإنما تساعد الجميع على تنظيم أولويات الحياة الثقافية لكل أجيالنا من كل أطياف أهل الخليج العربي.

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة