حسابات مختلفة للهزيمة الصهيونية

إن البعث الجديد للقضية الفلسطينية واستدعاء كل مصطلحات الوجود العربي، في الأرض المحتلة وفي القدس، تفاعلا عالمياً بالفعل بصورة لم تكن متوقعة، وكانت الفكرة تنتشر في العالم بسرعة، حتى وصلت إلى مواجهة القوة التكنولوجية.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/D3xmxv
الخميس، 20-05-2021 الساعة 12:15

هناك مستوى أكثر حيوية في التفاعل الدولي، الغربي بالتحديد، مع العدوان على غزة، لم يكن حاضراً في عدوان 2009، رغم أن حملة تهويد القدس هي الأشرس التي واجهها أهالي حي الشيخ جراح، ثم انتفاضة القدس المدنية، ثم اللد وبقية الـ48 قبل دخول المقاومة في خط الردع، كانت فيها أرضية التهويد والتصفية السياسية الدموية، في أسوأ سلوك إجرامي لها، حيث عُزّز التحالف الدولي الغربي، بمحور عربي تبنى الفكرة الصهيونية ومواجهة الفلسطينيين، بالاتفاقات السياسية مع تل أبيب وليس عبر الحملات الإعلامية فقط.

ورغم أن هذه الحيوية لم توقف جرائم العدوان المتتالية، خاصةً مذابح أطفال غزة المتتالية، فإن مستوى القلق في أوروبا والبيت الأبيض كان يتصاعد ليس شفقةً ولا رحمة على دماء الشعب الفلسطيني، ولكن لكون الحسابات التي كشفت عنها الأيام الأولى، جاءت في اتجاهات معاكسة لحلم تل أبيب، الذي راهن كثيراً على الأرضية التي قدمتها له الصهيونية العربية الجديدة.

إن البعث الجديد للقضية الفلسطينية واستدعاء كل مصطلحات الوجود العربي، في الأرض المحتلة وفي القدس، تفاعلا عالمياً بالفعل بصورة لم تكن متوقعة، وكانت الفكرة تنتشر في العالم بسرعة، حتى وصلت إلى مواجهة القوة التكنولوجية التي لا تزال في قبضة الكولونيالية الغربية. وأضحت مدافعة تطرفّها ومركزها الغربي المنحاز للإرهاب الإسرائيلي مجالاً تضامنياً عالمياً، فضح بالفعل القوة القهرية التي تترست خلفها الرأسمالية الغربية، في وسائل السوشيال ميديا إضافة لإمبراطوريات الإعلام.

إن الحديث هنا ليس عن معركة محسومةٍ اليوم لصالح فلسطين، في فضاء المشروع الاحتلالي للإنسان في العالم، والذي يديره الغرب، سواء في صناعة السينما أو الدراما، أو في السوشيال ميديا الحديث، وإنما من خلال فهم مستويات التأثير التي تمتلكها تلك الآلة الضخمة في قبضة الحداثة الغربية وتهوي بها على الشعوب وعالم الجنوب.

وهنا نلحظ كيف تراجعت هذه الآلة الكولونيالية المتوحشة، أمام حركة التضامن الشعبية العالمية، التي لعب فيها الرأي العام العربي قوة تأثير مختلفة، غيّرت اتجاهات الموقف من العدوان، وأضحى الميزان يتعدل نوعاً ما، لصالح الضحية ومفهوم العدالة الإنسانية للقضية الفلسطينية، وعبر مستوى هو الأفضل منذ عقود، إن لم يكن منذ احتلال القدس في 1967.

ولكن السؤال هنا هو: ماذا عن احتلال العراق وحرب الغرب الإجرامية عليه وعلى أفغانستان؟ وماذا عن دورات التضامن التي تحركت معهما ومع الشعب السوري تجاه حرب الإبادة للنظام الإرهابي في دمشق، والتي حظيت أيضاً بتغطيات إعلامية سابقاً، ومظاهرات إسناد إنساني ولم تغير المعادلة؟ هنا يجب أن نؤكد أن هذا المستوى من تقدُّم وعودة قضية فلسطين، إلى واجهة مسرح العدالة الإنسانية، لا يَضمن مطلقاً عودة الالتفاف عليه، من هذا المحور المشترك بين واشنطن والغرب وتل أبيب والعرب، لكنَّ هناك شروخاً واضحة، وتصدُّعاً في طريق دحرجة المشروع الصهيوني.

بدأت حكومة بايدن- رغم إعلانها الوقح مساندة تل أبيب ورفض الناطق باسمها إدانة قتل أطفال فلسطين- تبعث برسائل وتسعى ذاتياً لتحفيز الوسطاء، خاصة في الدوحة والقاهرة. هنا، المهم في رسالة هذا المقال أن نربط الخيوط لصناعة رؤية مهمة، تقوم على أن فكرة الكيان ومشروعه عميقة في تاريخ الاستعمار الغربي للعالم الجنوبي والعربي بالذات، والكيان هو زراعة متصلة به وبجذور الفكرة الصهيونية، يتفق في بعض لوحات مذابحه وفكرته الإبادية مع صور توحش أخرى، لكنه قلق مضطرب دوماً ويسعى لتثبيت حالة وجودية لا أصل لها، مقابل وجود تاريخي عميق في فلسطين المحتلة.

هنا نفهم بالضبط هذا الاضطراب والقلق، الذي أصاب الغرب في مراقبته لمشهد تل أبيب، والذي بدا كأنه يتداعى في جذور زراعته؛ ومن ثم يخسر الكيان ليس في الأرضية التي صنعها له المحور العربي الصهيوني فقط، ولكن في أصل أيديولوجيته السياسية وعمقه النفسي الاستيطاني، فصورة العائد لوطن مزعوم، تتراجع لتقفز حقيقتها، بأنه مستوطن متوحش مدجج بالكراهية والسلاح.

وهي لوحة نسبية التأثير أمام قوة الإعلام الحليف لـ"تل أبيب"، بل التابع لها في قلب الغرب، غير أن مساحة خسائره كانت كبرى، وكشفت عن مسرح جديد للعالم، ظنت الصهيونية الجديدة أنها تخطته، وإذا بها تهوي أمام التحالف الإنساني لنصرة فلسطين في وادٍ سحيق. نعم، هي ليست نهاية تل أبيب، ولكنها معركة مهمة في مدافعة دحرجة الكيان الصهيوني العكسية.

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة