رهائن في قبضة الرئيس

ظن الرئيس الفرنسي أن سذاجة المسلمين - بحسب تقديره - تكفي ليستدل بأنه لم يعطِ أوامر تنفيذية لحركة نشر الرسوم والحرب الإعلامية الشرسة

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/YVzVWN
الاثنين، 02-11-2020 الساعة 19:46

كان اللقاء مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع قناة الجزيرة، مساء السبت الماضي، مفتوحاً له بالكامل من حيث عدم المقاطعة وسلاسة الأسئلة، وإن كان الزميل عيّاش دراجي قد حدد نصوصاً مقتبسة تدين الرئيس الفرنسي، ولم تكن هذه النصوص فقط كل الحكاية، غير أن ماكرون المستعد مسبقاً للمقابلة، حتى لو لم يطلع بالضرورة على نص الأسئلة، كان في موضع توتر.

فكم التبرير المضلل في اللقاء جعله يحتاج لجرعة ماء أمام المشاهدين، الذين كان ماكرون يخاطب غالبيتهم كمسلمين وجه لهم إساءة بالغة في قضية رعاية الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم.

وظن الرئيس الفرنسي أن سذاجة المسلمين - بحسب تقديره - تكفي ليستدل بأنه لم يعطِ أوامر تنفيذية لحركة نشر الرسوم والحرب الإعلامية الشرسة، التي لم تهدأ في الإعلام الفرنسي، والتي تحرض على المسلمين من مواطني فرنسا والمقيمين فيها، فضلاً عن الحملة التشويهية التي يتصدرها الرئيس ماكرون في أوروبا، والتي تشيطن الإسلام، وقد تراجع ماكرون بالفعل عن المصطلحات التي تلفظ بها، والتي تحدد الإسلام كدين أصلي مطلق، وعاد ليستثني حديثه بتوصيفات دبلوماسية، ولكن بعد أن فجّر الفتنة الكبرى.

الكثير مما يفنّد في حديث الرئيس الفرنسي، الذي فسحت له الجزيرة المساحة، وقد سعى إليها لكونها كانت المنبر الأقرب لمشاعر المسلمين الغاضبين، ولم يتوجه ماكرون في أول ظهور له عن القضية الشائكة وتورطه الخطير فيها لقنوات محور أبوظبي التي ساندته في هذه الحملة على المسلمين.

ولذلك نفهم هذه المساحة التي قدمتها له الجزيرة من خلال ما عرضته أيضاً بعد ذلك في برنامج ما وراء الخبر، ولو وُضع الرئيس الفرنسي في مواجهة حوار صلب لانكشف كثير من تضليله المؤسف، وخاصة حين يحاول التخلص من مسؤوليته في التحريض على مواطنيه المسلمين الفرنسيين، وليس توجيه الخطاب السياسي والثقافي لهدف وقف الغضب المسلم، ووقف دعوات المقاطعة للمنتجات الفرنسية، فلقد واجه الرئيس الفرنسي ومستشاروه وأعضاء حكومته المتطرفون حملة غضب لا تزال تتصاعد، في ظل تطويق لم يسبق لحاضر العالم الإسلامي تشارك فيه حكومات تقودها أبوظبي، فضلاً عن هيمنة إعلامية شرسة تحاصر المسلمين.

وترفض أن تستمع لصوت المفكرين والفلاسفة الغربيين المنصفين، الذي ينادون بفهم قيم الحقائق الإسلامية، وتميّزها الأخلاقي، والروح الإنسانية التي تنحسر في العالم اليوم، بمشاركة من الحداثة المادية ذاتها التي نفذتها أوروبا على العالم، فلم تُسعد الإنسان ولم تحمه، بل اشتعلت الصراعات، بين أمم الأرض، وهيمنت الرأسمالية على مصالح الفرد، وسوّقته في مهرجان السلع المادي.

وبالطبع كان هناك للتنوير الغربي مساحات إيجابية تستفيد منها البشرية، وحتى في مدارات التشريع القانوني والحقوقي السياسي، غير أن ذلك لم يشمل ولم يرتكز على قيم الإنسان الروحية، بل العكس؛ فقد زحفت المصالح المادية التي استعمرت عبرها فرنسا جزءاً من الشرق وعالم الجنوب سابقاً، لتصل أزمة الحداثة إلى شعبها الذي انفجر احتجاجه في السترات الصفراء.

والتطرف في البنية الإسلامية في المهجر - كما هو في الشرق - موجود، والعجز الفكري في صناعة قيم النهضة وأخلاق التعايش حالة موجودة بين المسلمين لا يُنكر ذلك، لكن لم تكن باريس مخلصة أبداً بالتعاون من حركة الفكر التصحيحي بالإنصاف القانوني، ومراعاة حق الضمير واحترام كرامة الفرد، والتي تُعتبر أول مسؤوليات الرئيس، الذي يراعي مشاعر مواطنيه وضميرهم، فيبتعد عن تبني الكراهية الحقيرة التي تُفجّر صراعات داخل مجتمعه، وتلك كانت أزمة ماكرون.

لقد قدّم ممثلو المسلمين في فرنسا – ومن ضمنهم ممثل مجلس الديانة في نيس - في برامج الجزيرة اللاحقة، حشداً من الأدلة لحجم التحريض الممنهج وحصارهم الحقوقي، وكيف يعيش إلى اليوم مسلمو فرنسا تحت هذا الرعب الذي يعيشه أيضاً المسيحيون الأبرياء، والذين نتضامن معهم فيه دون قيود، لكن الكارثة الكبرى أن الجميع أضحوا رهائن في قبضة الرئيس.

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة