شعوب الخليج العربي والتحالف القيمي

في الخليج العربي اليوم لا يؤيد بقاء هذه القيم الأساسية في الأسرة، ومن مِن الناس وضمنهم كل من يؤذيه تسلُّط العنف الذكوري، وما تتعرض له المرأة من جاهلية اجتماعية

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/5dowN3
الأربعاء، 04-08-2021 الساعة 22:42

لو فرزنا الخلافات السياسية في التصور عن رسالة الدين الإسلامي في الحياة العربية، وبالذات موقف الشعوب وتياراتها الثقافية، خاصة غير المؤدلجة، فما الجامع المشترك بين هذه الشعوب؟ ولو خصّصنا هذا الأمر على إقليم الخليج العربي، رغم وجود تشابه كبير جداً بحكم هوية اللسان والدين مع بقية الوطن العربي، وإن اختلفت الأعراف الاجتماعية، بل إننا في هذا الجامع والفرز قد نجد أقليات دينية في الوطن العربي، تتحد في هذه الجوامع المشتركة.

ما الذي أقصده في هذا المقال؟ هل الخلافات التي اشتعلت منذ بروز العمل السياسي الحزبي للإسلاميين، في الوطن العربي ثم انتقاله إلى الخليج، ثم انفجار ملفات الصراع السياسي في الوطن العربي، والثورة المضادة التي عاش العرب خريفها الدامي والتعسفي، هي مرجع لقيم الشعوب؟ هل صراعات الأمس حول تعريف الهوية، بين الإسلاميين ومن خالفهم على الصعيد الشعبي أو الثقافي، هي خلافات الأمس ذاتها، أم أن تطور بعثرة الأفكار وانفجار وسائط تصديرها أحدثا معادلةً متغيّرة كلياً؟ فأين معادلة القيم التي نقيس عليها هذا التوافق؟ وهل هو توافق موضوعي أخلاقي، أم مجرد أعراف فرضتها الطبائع الاجتماعية في الخليج العربي؟

إن القيم التي نقصدها من شقين: الأول هو دور الدين في ضمير الفرد، من حيث الطمأنينة القلبية والركون الروحي، حتى لو قصّر الفرد في عبادته، وهي كذلك من حيث تلك السكينة التي تستحضرها، الأم مع أولادها والأب مع بنيه، والأطفال مع والديهم، والأرحام مع أقاربهم، وشعور المجتمع بأن هناك قوة عليا، عليه أن يُراقبها في ضميره، ليس بالعبادات الفردية فقط، بل بالتسليم الذي يطمئن به وجدانه. بمعنى بسيط: حضور الروح المؤمنة في حياة الفرد، عبر الإيمان القلبي والتسليم الضميري، هذا ليس مرتبطاً بالناس في تجمعاتهم الدينية مثلاً، ولا بمن تلبس الحجاب أو تخلعه، وليس مرتبطاً بتعريفات النشاط السياسي، باسم العمل الإسلامي الحزبي، أو غيره. ولكن بإيمان الفرد، بهذا الركن في حياته الشخصية، وفي بقاء آثاره بمجتمعه، فكلمة (الله ياجرك) أو (دفعة بلا) أو (احتسب لهالفقيّر) أو (الله يجعله خير لك ولأولادك)، أو (أخاف من ربي) في الخشية من مظلمة أحد، هو صوت الضمير العام في مجتمعنا بالخليج العربي، وليس مرتبطاً بهذا التوجه أو ذاك.

بمعنى أن هذا العمق ليس مرتبطاً بوصف أن هؤلاء إسلاميون وأولئك ليسوا إسلاميين، فضلاً عن إشكاليات المصطلح، قرآنياً وتشريعياً، وقد تجد في عموم الناس من لديه آراء فكرية مختلفة، وله أو لها موقف من رفض تكييف الدين لصالح هذه التوجهات الإسلامية، لكن لديه إيمانٌ ذاتي بهذه القيم الروحية والمرجع السلوكي.

وقد تجد منهم من يعكس ضميره الروحي أفضل ممن يتزين بردائه الديني، وقد يختار مواده من وعظ ومن رسائل تربوية دينية، وإن اختلف مع تجمعات الإسلاميين، وهذا ما جعل الشيخ سلمان العودة -فرج الله عنه وأعاده لمنبره- موئل كثيرٍ من المسلمين دون أي انتماء حزبي. أما الشق الثاني في مرجعية القيم، فهو الأسرة والعالم الحر الفطري اليوم، الذي يخوض أخطر معاركه من أجل تأمين هذه الأسرة، الرجل والمرأة وأطفالهما، وروح التضامن بين أعضاء الأسرة، خصوصاً الوالدين وبنيهما، والزوج والزوجة تحت رداء الحب الرومانسي المقدس، وهو مقدّس لأن الله فطره في هذه الخليقة ليحميها من الانحراف المهلك، وتيه النزوة المدمر.

فمن في الخليج العربي اليوم لا يؤيد بقاء هذه القيم الأساسية في الأسرة، ومن مِن الناس وضمنهم كل من يؤذيه تسلُّط العنف الذكوري، وما تتعرض له المرأة من جاهلية اجتماعية، يؤمن بإسقاط الأسرة؟ من مِن الشعوب العربية في الخليج يؤمن بثلاثية الراديكالية النسوية، والجندر الإلحادي، وفرض المثلية القهرية على الأطفال، كم نسبتهم؟ ما موقف المركزية الأخلاقية للفرد والمجتمعات، في هذه المعادلة؟ لماذا نتخلّى عن القيم التي تحفظ كينونتنا الاجتماعية والأُسرية والأخلاقية، وهي اليوم محل استهداف مركزي وهجوم شرس من أدوات الحداثة المادية الغربية، التي فشلت في إنقاذ العالم، بل هي اليوم تدير الحرب السفلية على طبقات الشعوب، لصالح الرأسمالية الغربية بالتوحش ذاته، الذي أباد الهنود الحمر والأمريكيين الأفارقة، وبقية العالم الجنوبي، واليوم تمدد هجومها على قيم هذه المجتمعات بالوسائط المتطورة. فلماذا لا نتحالف رغم اختلافنا للدفاع عن آخر قلاعنا الإسلامية الإنسانية؟

Linkedin
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة