صاحب ابنك دهراً

لا تتوقف فوائد التربية بالصداقة عند حدود تعميق قيم الانتماء الأسري والعقائدي بل إنها تتجاوز ذلك إلى أهداف أخرى

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/yr1p1Q
الأحد، 11-07-2021 الساعة 20:31

في عنوان هذا المقال مشاكلة لعبارة منقولة عن السلف "صاحب ابنك سبعاً"، والبعض يظن أنه حديث، وهي في الحقيقة مجرد أثر لا سند له ولا يصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والصحبة التي صحت في النصوص الصحيحة بصورة صريحة أو ضمنية هي الصحبة الدائمة بالمعروف التي أمر الله بها الآباء والأبناء، ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾، وجاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم: "وإن لولدك عليك حقّاً"، وعندما تحدث الله عن علاقة إبراهيم بإسماعيل قال: ﴿فلما بلغ معه السعي﴾، والمعية في السعي تدل- كما يقول علماء التفسير واللغة- على الصحبة، يقول الألوسي في تفسير الآية: إن حاصل المعنى أنه بلغ عند أبيه وفي صحبته متخلقاً بأخلاقه متطبعاً بطباعه، ويستدعي ذلك كمال محبة الأب إياه"، ويؤكد أن "مع" ظرف للسعي، وهي تدل على معنى الصحبة واستحداثها، وهكذا يربط الألوسي بين الصحبة وبين التربية والتخلق بأخلاق الأب والتطبع بطباعه بواسطة صحبة السعي.

للتربية القائمة على الصحبة التي مارسها الأنبياء دور كبير في تحقيق معظم أهداف التربية، ومن هذه الأهداف التربية على الانتماء، فهذا إبراهيم عليه السلام عندما صاحب ابنه اسماعيل في سعيه نجح بطريقة غير مباشرة في تربية ابنه على التضحية إلى الدرجة القصوى؛ وهي درجة الاستعداد للتضحية بالنفس في سبيل الاستجابة لأوامر الله عز وجل عندما أخبره أنه أمر في المنام أن يذبحه قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾، ومن يتأمل في أحوال الدعاة الذين صاحبوا أبناءهم يلمس هذا التأثير العجيب للتربية بالصحبة والصداقة على شعور الأبناء بالانتماء، وهذا التأثير التربوي في تعميق الانتماء إذا لم يكتسبه الأبناء من الآباء فإنهم يكتسبونه من الأصدقاء إذا تخلى الآباء عن صداقة أبنائهم، والسعيد منهم  في هذه الحالة من صادف صديقاً صالحاً يساعده على السير في طريق الخير.  

لا تتوقف فوائد التربية بالصداقة عند حدود تعميق قيم الانتماء الأسري والعقائدي، بل إنها تتجاوز ذلك إلى أهداف أخرى؛ منها التربية بالمحاكاة، فالأبناء ينظرون إلى الآباء في حالة الصحبة والعلاقة الطيبة باعتبارهم المثل الأعلى، والأبناء يعيشون مع أبنائهم مختلف جوانب الحياة ويتعلمون منهم بصورة غير مباشرة معظم مهارات التعامل والحوار والتصرف في المواقف المختلفة، وتؤكد اليوم نظريات التربية الحديثة أهمية الصداقة مع الأبناء، وتأثيرها التربوي الكبير، ودور علاقة الصداقة مع الأبناء في إشاعة الطمأنينة والشعور بالأمن النفسي والثقة المتبادلة والشعور باحترام الذات والاستقلالية.
والصداقة لا تعني التدليل الزائد أو المبالغة في إكرامهم بالهدايا ونحو ذلك من الماديات، فالأهم من ذلك اكتساب الثقة واطمئنان الأب إلى الابن والابن إلى الأب، وتساعد هذه الثقة والصداقة على حماية الأبناء من مخاطر كثيرة، فأحياناً قد يتعرض الأبناء، ذكوراً وإناثاً، للتنمر والتحرش والابتزاز ولا يجرؤون على الحديث مع الوالدين لغياب الثقة وغياب الشعور بالأمن، ومن هنا فإن الحاجة إلى المصاحبة الدائمة مع الأبناء ليست حاجة ترفية أو كمالية، بل هي حاجة تربوية أصيلة ووسيلة من وسائل الحماية، وتساهم صداقة الآباء مع الأبناء في تدعيم الصحة النفسية للطرفين وإشاعة السعادة والمحبة في أجواء الأسرة.

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة