طالبان.. الأسئلة الداخلية الاستراتيجية

تلك الحرب خضع جزء منها لمعادلة أفغانية داخلية، أوجدت صراعاً قومياً وسياسياً استفاد منه الناتو في حرب الغزو 2002، فهل انتهت تلك المعادلة اليوم؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/Kaw4np
الأحد، 22-08-2021 الساعة 09:40

حسمت حركة طالبان مستقبل النفوذ السياسي لصالح حكمها الجديد، وتخطت عملياً كل مسارات التفاوض، ومن ضمنها مسار الدوحة المهم لها، والذي سيظل فاعلاً لديها بحكم نجاح تجربة العلاقة الخاصة مع قطر، والمساحة الاستثمارية التي تحققت لطالبان في ظل مكتبها السياسي الوحيد في نموذجه، والذي ساعد على وجوده الأمريكيون أنفسهم، لإنجاز مفاوضات تأمين خروج قواتهم، الذي تم بالفعل وبقي تأمين السلك الدبلوماسي.

ولكن حجم القلق والرعب الذي سيطر على مفاصل الهيكل الحكومي المنهار ساعد طالبان في تعجيل زحفها قبل أن تكتمل خطة ترحيل المترجمين أو العاملين مع الجيش الأمريكي، والذي اختتم بهروب سريع من قبل الرئيس الأفغاني أشرف غني، وكانت طالبان تترصد بذكاء لهذه اللحظة، التي تقدمت بعدها للقصر الرئاسي وأعلنت عودة الإمارة الإسلامية لدورة حكم جديد.

هذه الدراما الأخيرة وحدها تشير إلى مأزق الأمريكيين في صناعة الدولة البديلة المناسبة لمشروعهم، وفي هيكل الدولة الأفغانية والتحالفات التي بنيت عليها، من الفرقاء الأفغان أنفسهم المناوئين لطالبان، أو من خلال تدخل الدول الإقليمية، وبالذات الهند وباكستان وإيران، ثم تركيا قبل بضع سنوات. فضلاً عن الصين والروس ونفوذ الاحتلال الأمريكي، وهي مجموعة قضايا تحتاج إلى بحوث ودراسات، تؤكد أيضاً فشل الترويكة المحلية التي تقاسمت الحكم، وتداعت سريعاً بعد أن كشف الأمريكيون ظهرها، وسقط كامل العتاد والقواعد في قبضة الإمارة الإسلامية الجديدة.

لكن ذلك ليس هو المسرح الاستراتيجي للرؤية التي نرصد عناصرها هنا: الأول: أن الفرح لانتصار شعب مسلم شن عليه الغرب حرباً ظالمة أمرٌ مشروع تماماً، لكن تلك الحرب خضع جزء منها لمعادلة أفغانية داخلية، أوجدت صراعاً قومياً وسياسياً استفاد منه الناتو في حرب الغزو 2002، فهل انتهت تلك المعادلة اليوم؟

وتبعاً لهذا السؤال هل تغيرت طريقة طالبان في التعامل مع هذه المعادلة وانقساماتها الفكرية والسياسية والاجتماعية لتجنب خلق قوة صراع جديدة، وتحويلها لحرب أهلية يديرها الفرقاء الإقليميون والدوليون؟ الثاني: كيف ستتعامل طالبان مع حشود كبرى قلقة من حكمها، وكيف تترجم وعودها بالأمان إلى إجراءات واقعية وثقافة إسلامية وطنية جامعة تؤمّن كل من يختلف معها، وتُوقف ظاهرة الرعب للفرار من حكمها؟ وهي ظاهرة بدأت بالفعل ولم يكن الأمر محصوراً في المتعاونين مع الأمريكيين، خاصة أن إعلام الحركة يدمغ الجميع بمصطلح عملاء، وهذا خطأ بالغ وخطير.

الثالث: نموذج انتقال حركة دينية وطنية محافظة إلى هيكل دولة من المسمى إلى الدستور، تحتاج طالبان فيه إلى جهود واسعة وجسور ممتدة لتأسيس الدولة الجديدة، فهل من الضرورة أن تحتفظ بمسمى الإمارة الإسلامية أم تبقي دولة أفغانستان الإسلامية؟ وقد يثبت الاسم ويعبر، لكن هيكل العلاقات الوطنية الداخلية والتمثيل أمام الخارج يحتاج إلى منهجية عملية تثبت بها طالبان قدرات الإدارة السياسية، والعبور الدولي والإقليمي لها.

الرابع: ما هو أفق طالبان الإسلامي؟ أين هو من فقه المذاهب الأربعة؟ وإن كانت حركة سنية صوفية تنتمي للعالم المذهبي القديم في المشرق الإسلامي أين مساحة هذا الفقه ومساحة الدولة والمواطنة فيها؟ كيف تنظر طالبان إلى فقه الدولة المقاصدي في الإسلام، والرؤى المتعددة المختلفة عن نصوص المتأخرين في متون مذهب الإمام أبي حنيفة، مقابل المجددين على أصول مذهبه ومذاهب أهل السنة الأخرى؟

الخامس: ما عاشته أفغانستان قبل الاحتلال الأمريكي وبعده شهد حراكاً اجتماعياً ومأسسة لمنظمات مدنية ودراسات معاصرة تراعي قيم الإسلام كما يتبين من مسيرتها، وإن بقيت هناك مؤسسات غربية تعمل ضمن الحقل التغريبي، كما أن هناك شخصيات دولة ومجتمع ساهمت في هذا التقدم وفي صناعة مشاريع مدنية وعمرانية لصالح الشعب الأفغاني، ما هو موقف طالبان منهم ومن هذه المشاريع؟

السادس: أن المرأة الأفغانية سجلت حضوراً ملتزماً بحشمتها وبطريقة الحجاب الذي تراه، فضلاً عن المساحة المدنية التي تتطبع بها الشعوب في حرياتها الاجتماعية تحت مراعاة القيم الإسلامية التي تختلف قيودها عن فقه الحركة، فما هو موقف طالبان منها؟

السابع: الأقليات المستقطبة في الشمال بين الروس ومنظومتهم الموالية في آسيا الوسطى ثم الأتراك، وقومية الهزارة الشيعة وإيران، كيف ستتعامل معهم الحركة، وما هو الدستور الجامع الذي ترتضيه ليشمل كل طيفها الوطني؟

هذه الحقيبة من أسئلة التحديات لها علاقة مباشرة بقدرة طالبان على حماية الأمن القومي وسلامة الوطن الأفغاني من حروب المصالح التي تعد لها، وتطبخ بنارٍ هادئة، وما لم تغلق ملفات الداخل باحتواء وطني سلمي فإنها مع الأسف ستفتح عليها أبواب حرب جديدة، هذه المرة لا خسائر أمريكية فيها، وإنما الدم الافغاني يسفك من جديد لصالح المستثمرين.

Linkedin
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة