ظروف المواجهة الجديدة في القدس وغزّة

حسابات غزة حساسّة جداً، ولذلك فالتوسع في حركة المواجهة مع الكيان الصهيوني يحتاج إلى تقدير دقيق للغاية.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/ndP3y4
الأربعاء، 12-05-2021 الساعة 16:30

نحن نواجه اليوم مرحلة تحدٍّ كبيرة، سلبية وإيجابية في ذات الوقت، فرضتها الأحداث الحالية، في فلسطين المحتلة وخاصة في بيت المقدس وفي غزة، وقرار الكيان الصهيوني دمج عنفه المسلح المعزز بالذخيرة على سكان القدس وخاصة المرابطين مع قضية حي الشيخ جراح، مع عدوانه على غزة، هو أحد مؤشرات هذه المرحلة، فهو يستفيد اليوم من الدعم العربي الرسمي، الذي يتبنى شيطنة الشعب الفلسطيني والتودد للفكرة الصهيونية ذاتها.

وهي حالة لم يمر بها الوطن العربي، خاصة في ظل التراجع الكبير للدعم المعنوي والإسناد المادي حتى للمشاريع الإنسانية لفلسطين المحتلة، وهي مساحة تغير خطير رُصدت من قبل، وهي أجواء خُطّط لها منذ مشروع صفقة القرن عبر الحراك والزخم الحاشد الذي قاده جاريد كوشنير، صهر الرئيس الأمريكي السابق المتطرف دونالد ترامب، وبلا شك فإن هزيمة ترامب الكبيرة، والغضب الأمريكي الشعبي من اليمين المتطرف، قد أضرا بموقف شركاء المشروع العرب والإسرائيليين.

غير أن "تل أبيب" نجحت ولا تزال في تحقيق دوائر اختراق واسعة لعدد من الأنظمة العربية باشرت معها التطبيع بالفعل، وبعضها لم يُعلن تفاصيل علاقاته مع هذا المشروع، وفي ذات الوقت فإن المركز الأمريكي التاريخي لدعم المشروع الصهيوني لم يكن ليتغير في العهود السابقة مطلقاً، ولم يتغير مع إدارة بايدن، وإن فقد نتنياهو الزخم الذي كان يوفره له ترامب، للذهاب إلى أقصى درجات التطرف في التعامل مع القدس.

هنا نلحظ في ذات الوقت أن المفاوضات الإيرانية الغربية بالمجمل، ومع واشنطن على الخصوص، تُعزّز فرص صفقة تطبيع جديدة واتفاق نووي محدّث، وتوسّع العدوان في غزة في ظله سيكون مفتوحاً، فالمركزية الإيرانية في توظيف القضية الفلسطينية تعتمد على دعم نسبي وصخب إعلامي هائل، يُخدع به أتباع الثورة الإيرانية طائفياً، أو مشاريعها باسم الوحدة الإسلامية.

  وهي منصات ترويج ضخم مارستها أنظمة عربية عدة، قومية ثورية، إلا أن إيران تزحف عبر هذه المظلة لعواصم عربية جديدة تحت هذا الضجيج، الذي لا يُلغي أن طهران تستخدمه كبطاقة وظيفية تنفق عليها وتُجنّد فعلياً داخل أيديولوجيتها الخاصة، ولكن الأولوية هي لفصائلها وليس لواقع فلسطين ولا المقاومة المستمرة في الداخل.

وما نعنيه هنا هو أن غزة قابلة بالكلية لوضعها في طي الحسابات المحروقة في أي مفاوضات متطورة بين طهران والمعسكر الغربي، وحتى في حالات أقل تأثيراً لملف التفاوض، فإن طهران لم تكن تتوجه لاتخاذ موقع تغيير مفصلي لصالح قضية فلسطين، يُكلفّها فوات صفقات أهم لزحفها على البلدان العربية، وتعزيز موقع أذرعها المتعددة.

فهنا حسابات غزة حساسّة جداً، ولذلك فالتوسع في حركة المواجهة مع الكيان الصهيوني يحتاج إلى تقدير دقيق للغاية، في حين حققت حركة القدس تنتفض مداراً إيجابياً ملهماً، ونجاحاً تاريخياً في صموده وترابط الشعب الفلسطيني حول القدس، وبالذات في مناطق الـ 48 والجوار المباشر من الضفة الغربية.

هذا الاختراق الذي حققته حركة الكفاح والرباط الفلسطيني واجه دورات قمع شديدة وفقد شهداء، وفقد بعض الجرحى أعينهم وصحتهم، لكنه في ميزان القدرات والصراع النسبي في توازنه يعتبر إنجازاً مهماً للكفاح الوطني الفلسطيني، يُمكن ضبطه في تقليل الخسائر وخاصة في الأرواح، في حين أن دخول المقاومة بقيادة حركة حماس لا شك أنهُ يعطي رسالة تغيير لحسابات الإسرائيليين.

لكنه قد يَقلب فواتير المواجهة لصالح العدو وداعميه العرب، من حيث وجبات الضحايا المفتوحة في بنك الأهداف المدنية للعدو، ومن حيث إن الخاتمة السياسية إذا لم تُجتح غزة فتكلفة اجتياحها كبيرة على العدو، لكن يكفي أن يتحصل على وجبة قتل وإنهاك للمجتمع الغزّي المحاصر، ويُصفّي ملف الرباط المقدسي خلال حربه الإرهابية المجنونة، وتعود غزة إلى ما بعد عدوان 2009.

هنا ما نرجوه أن يكون هناك تحرك سياسي دبلوماسي مكثف من دول مؤثرة بذاتها وبعلاقاتها، وخاصة عبر البعد الإسلامي الرسمي في ظل الانحياز العربي المخزي ضد فلسطين، يُساهم بقوة عبر الجسر الضاغط على أوروبا، لوقف الحرب عند خطوط الردع الممكنة للمشروع الصهيوني الذي ستظل استراتيجية المواجهة معه تُبنى على مراحل ودورات تَدَافُع، حتى نصل لرياح الحرية والتحرير.

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة