عزيزة جلود ومريم المصري

أصدر ثلاثون من العلماء بياناً طالبوا فيه بالإفراج الفوري عن مريم رضوان وأطفالها وأفتوا بأن تسليمها للكنيسة – إن كان قد حصل - فهو ردة عن الإسلام وخروج عن شرائعه.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/6Za51W
الأربعاء، 20-03-2019 الساعة 09:49

أنهيت قبل أسابيع قراءة مذكرات المجاهدة السورية عزيزة جلود، وهي مذكرات مؤلمة مريرة تثير الغضب بعد أحداثها بأربعين سنة، ترى كيف كان وقعها على صاحبتها التي عايشتها حقيقةً قاهرة على نفسها وأعصابها ومشاعرها وأهلها؟!

إن كنتَ تدقق في التفاصيل فستعرف اسم عزيزة جلود إن كنت مهتماً بتاريخ سوريا أيام حافظ الأسد، فهي زوجة الشهيد إبراهيم اليوسف صاحب عملية المدفعية الشهيرة، والبطل الحلبي الذي بنى عليه أهل سوريا آمالاً ضخمة، والرجل الثاني في تنظيم الطليعة بعد مسؤولها العام عدنان عقلة، وهو التنظيم الذي اجتذب الشباب الإسلامي في ثورة الثمانين التي لولا خذلانها من قِبَل القيادات "الإسلامية العريقة" لكان تاريخٌ آخر.

ستعرف عزيزة جلود أيضاً إن كنتَ من هواة أدب السجون وقرأتَ مثلا رواية هبة الدباغ "خمس دقائق فحسب"، وهبة الدباغ طالبة بكلية الطب أُخِذت في ليلة باردة من ديسمبر وقيل لها "خمس دقائق فحسب" فإذا بها يُسلخ من عمرها تسع سنوات في سجون حافظ الأسد، وقد فوجئت هبة الدباع في أحد السجون بوالدتها وقد سُجِنت معها، ثم أفرج عن الأم وبقيت هي، ثم جاءها نبأ استشهاد أهلها جميعا في مجزرة حماة: الأب والأم وجميع الإخوة، وهي رواية أخرى مريرة مؤلمة ذابحة تحكي قصة أمتنا المقهورة تحت هذه الأنظمة، لكن الشاهد منها في سياقنا الآن أنها روت كيف أفرج عن جميع السجينات إلا عزيزة جلود التي قضت فوقهن عاميْن آخرين.

الغريب في شأن عزيزة جلود، وهو الذي من كثرته لم يعد غريباً، أنها اعتقلت قبل زوجها إبراهيم اليوسف كرهينة كي يُسَلِّم نفسه، ولما لم يفعل أُفْرج عنها لتكون كميناً لاصطياده، لكنه استطاع تنفيذ عملية تهريبها من بيت أهلها وقضت معه أيامه الأخيرة قبل استشهاده، ثم استشهد، ثم اعتقلوها بعد استشهاده.. لماذا؟ لا شيء! فقط ينتقمون من البطل الذي أخافهم وأذلهم.. وقد ظلوا أحد عشر عاماً يسجنون زوجته انتقاماً منه!!

في هذه المذكرات روت عزيزة جلود أخبار زوجها وتعرفها عليه ثم زواجها منه وأخلاقه وطبائعه وقصة انضمامه للطليعة، وقصة عملية المدفعية وأغراضها وقصة المطاردة والاختباءات والبيوت الآمنة واحتياطات الثائرين، ثم فصول السجن الطويل وتغير الرجال (كان سبب الإيقاع بأهم مجموعات الطليعة رجل منهم كان مجاهداً فانتكس وصار عميلاً لنظام الأسد.. وبئس المصير!)، وحكايات السجن كما تراه امرأة وحيدة بيدها طفل رضيع ظل معها في السجن حتى خشيت عليه أخلاق السجانين ففارقته، ثم إنها خرجت بعد سنين قضتها في زنزانتها وحيدة بلا أنيس (والسجن بلا أنيس سجن فوق السجن، وضعف فوق الضعف)، ثم قضت سنين أخرى تعاني فيها قهر النظام العام الذي تروج روايته الرسمية تشويه زوجها الشهيد ومع أبناء يتمزقون بين رواية الأم والبيت وبين رواية المدرسة والتلفاز، فهم أبناء البطل في بيتهم الضيق ودائرتهم المحدودة وهم أبناء الإرهابي في الشارع والمدرسة والمجتمع! ثم ما كادت تأتي الثورة السورية فيتنفسون بعض الحرية حتى جاءت داعش فخرجت المرأة المجاهدة تحت جنح الليل عبر مسالك التهريب فراراً من القتل ردة.. وأمور أسأل الله أن يعين على تناولها في مقال منفرد إن شاء الله، إلا أن كل مقال لا يُغني عن قراءة الكتاب نفسه.

لكنما جاءت ذكرى المجاهدة عزيزة جلود والتعريف بها لأن ثمة أخرى مصرية تعايش الآن ذات هذه الفصول، تلك هي مريم رضوان المصري أرملة عمر رفاعي سرور.

بعد الانقلاب العسكري في مصر اضطر عمر رفاعي سرور، وهو نجل الشيخ المصري المعروف رفاعي سرور، إلى الخروج إلى ليبيا، وهناك كان من جملة المجاهدين ضد قوات حفتر الذين شكلوا مجلس شورى مجاهدي درنة. اصطحب معه في خروجه زوجته مريم رضوان المصري، ثم قُتِل في قصف لقوات حفتر في درنة صيف 2018م.

ترك عمر رفاعي أرملته مريم رضوان (25 عاماً) وثلاثة أطفال صغار: فاطمة (5 سنوات) وعائشة (3 سنوات) وعبد الرحمن (8 شهور)، ولا يعرف عنهم شيء!

بعد أربعة أشهر، في أكتوبر 2018 أعلنت قوات حفتر أنها ألقت القبض على أسرة عمر رفاعي، وفي نفس الشهر نشرت وسائل إعلام مصرية وليبية أن قوات حفتر سلمتهم إلى السلطات المصرية، ومن ذلك الوقت (أي منذ خمسة أشهر) ولا شيء يُعرف إطلاقاً عن مصيرهم!

حاولت أسرة عمر رفاعي في مصر، كما حاول بعض القانونيين والحقوقيين، معرفة مصير الأم وأطفالها الثلاثة وقدَّموا البلاغات إلى الجهات الرسمية التي لم تحرك ساكناً ولم تسكن متحركاً!

عند أنباء اعتقال الأسرة كشفت بعض المواقع المقربة من الجهات الأمنية المصرية وبعض المواقع الكنسية المصرية أن مريم رضوان المصري كانت مسيحية قبل إسلامها، وذلك قبل أن تتزوج من عمر رفاعي، فأشعل هذا تخوفاً آخر كبيراً بأن اختفاءها هذا قد يكون معناه: تسليمها وأولادها إلى الكنيسة.

والكنيسة المصرية الآن تعيش أزهى عصورها قاطبة في عصر السيسي، وقد كانت في عصر مبارك تتسلم المسلمات من جهات الأمن المصرية وتخفيهن ولا يُعثر لهن على أثر، وقد وقعت حالات شهيرة أبرزها: وفاء قسطنطين، وكاميليا شحاتة، وماري زكي عبد الله وغيرهن، فلئن كان هذا حدث في زمن مبارك فكيف بما قد يكون قد حدث في زمن السيسي؟!

هذا التخوف دفع المهندس خالد حربي إلى إعلان إضرابه عن الطعام وهو في محبسه بسجن العقرب، وسجن العقرب هو أسوأ السجون المصرية قاطبة، يضعون فيه من يظنونه خطيراً ومهماً، وفيه الآن القيادات الكبرى لجماعة الإخوان المسلمين، إلا أن خالداً ليس من الإخوان، إنه من أشهر الشباب في مصر، وهو قرين حسام أبو البخاري إلا أن الأخير أشهر، وذلك لنشاطه الوافر في التصدي للتنصير في زمن مبارك، وقد سُجِن خالد وهو طفل وظل لفترات عديدة مطارداً من الأمن المصري، وضمن مجهوداته هذه كان هدفاً دائما للكنيسة المصرية التي تطالب بإسكاته واعتقاله، لقد كانت مريم رضوان واحدة من ثمار المجهود الدعوي لخالد حربي.

أعلن خالد حربي إضرابه عن الطعام لحين ظهور مريم رضوان وأطفالها، الذين هم شرعاً ثم قانوناً مسلمون، ثم هم شرعاً وقانوناً غير متَّهَمين بشيء، ثم هم شرعاً وقانوناً وإنسانية لا يجوز أن يبقوا في حبس السلطة المصرية ولو كانوا مُتَّهمين لظروف هؤلاء الأطفال الصغار.

وقد أصدر ثلاثون من العلماء بياناً طالبوا فيه بالإفراج الفوري عن مريم رضوان وأطفالها، وأفتوا بأن تسليمها للكنيسة – إن كان قد حصل - فهو ردة عن الإسلام وخروج عن شرائعه.

لكن السلطة المصرية لم تحرك ساكناً ولم يصدر عنها شيء، ثم المثير للتخوف أن المواقع الكنسية أيضاً تشاركها الصمت المطبق من بعد ما شنُّوا في الأيام الأولى حملة على عمر رفاعي وأسرته، وهو ما يزيد من المخاوف أن تكون قد سُلِّمَت فعلاً للكنيسة.

لن نمضي الآن مع احتمال تسليمها للكنيسة رغم قوة شواهده، وسنبقى في الحد المتيقن منه، وهو كونها سجينة أسيرة مع أطفالها لدى جهة تابعة للأمن المصري، لا لشيء إلا انتقاماً من زوجها بعد مفارقته هذه الحياة كلها، امرأة وحيدة مع أطفال ثلاثة ترى كيف تعيش كل هذا الظلم وكل هذه القسوة؟

كيف تهدهد أطفالها الذين يفقدون الأمن والطمأنينة، وحق الطفل في اللعب والمداعبة والانتقال بين الأهل والأقارب والجيران؟

ماذا تفعل إذا نزل بطفل لها مرض أو وجع أو عنَّت لها أو لطفلها حاجة؟

من تنادي وإلى من تلجأ؟

وإلى متى تستمر في بلادنا حكايات النساء في السجون المظلمة المخيفة؟!

إلى متى تتصل حكاية زينب الغزالي بهبة الدباغ بعزيزة جلود بمريم المصري؟!

ألا نفوسٌ أبيَّاتٌ لها هممٌ .. أما على الخير أنصار وأعوانُ؟

يا من لذلة قوم بعد عزِّهمُ .. أحال حالهمُ جورٌ وطغيانُ

 

محمد إلهامي، باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية، تويتر: @melhamy

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة