غزة والاحتلال نحو الحسم

يتضح من زيارة الوفد الأمني المصري الأخيرة للقطاع، حسب مصادر مقربة من اللقاءات، أنها لم تقدم جديداً؛ لا في ملف التهدئة ولا المصالحة.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GDBzJ5
الأحد، 15-09-2019 الساعة 17:02

يكشف انسداد الأفق السياسي والميداني والإنساني في قطاع غزة عن توجه الأطراف الفاعلة في المشهد الفلسطيني -خصوصاً الاحتلال وحركة حماس- الى إعادة النظر في توجهاتهما بناء على مجموعة من المعطيات التي تدفع الطرفين نحو موقف أكثر حسماً في ملفي التهدئة والمواجهة خلال المرحلة المقبلة، في ظل مجموعة من المتغيرات الداخلية والإقليمية.

ورغم أن نذر التصعيد الإسرائيلي تتركز في الضفة الغربية؛ على ضوء توجهات اليمين الإسرائيلي المتحمس لابتلاع الأرض والضم الضفة الغربية، ما يوحي بأنها ستكون الساحة الأكثر سخونة، إلا أن قطاع غزة يبقى الأسرع اشتعالاً، والساحة المفتوحة على مختلف السيناريوهات.

ويمكن الاستدلال على هذه الفرضية من خلال رصد مجموعة من المعطيات والمتغيرات التي تؤثر في المشهد الغزي، وتجعله الأقرب إلى الحسم من أي جبهة أخرى.

من أبرز المتغيرات التي تؤثر في المشهد الفلسطيني ما ستؤول إليه نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وتوجهات الحكومة الإسرائيلية القادمة.

وفي إطلالة سريعة لتوجهات الأحزاب الإسرائيلية اتجاه العقدة الأصعب، حيث تتصدر غزة برامج الأحزاب المشاركة بالانتخابات الإسرائيلية، يتضح أنه إذا بقي حزب الليكود في الحكم فإن احتمال أن يخرج جيش الاحتلال في عملية عسكرية كبيرة في غزة خيار مرجح؛ بهدف إضعاف القوة العسكرية للمقاومة، ومن ثم تجند "إسرائيل" العالم لتنفيذ خطة "مارشال" لإعادة إعمار بنيتها التحتية واقتصادها من جديد.

ورغم انتقاد حزب أزرق–أبيض السياسة التي يتبعها نتنياهو أمام حماس، إلا أن رؤيته للحل في غزة تكاد تكون متطابقة لما يعتزم نتنياهو فعله بعد الانتخابات.

أما خطة يسرائيل بيتينو "ليبرمان" فتعتمد على شن حملة عسكرية قوية من شأنها أن تسبب انهيار حكم حماس تماماً، لا أن تضعفه عسكرياً فقط، بهدف إعادة بناء الردع والبدء في بناء كل شيء من نقطة الصفر.

بينما تقترح قائمة "يمينا" أيليت شاكيد تجنب الدخول البري إلى قطاع غزة، وبدلاً من ذلك شن حملة قصف جوية ضخمة وعمليات اغتيال كبيرة.

في هذه الأجواء يبرز معطى ذو صلة بالنهج الإسرائيلي الذي مثله نتنياهو خلال عام مضى معتمداً خيار التهدئة التي باتت تتآكل في عين المواطن الفلسطيني، الذي ينظر إلى ما تم تنفيذه من استحقاقات في إطار التسهيلات ومشاريع البنية التحتية لا يزيد عن كونه مخدراً، دون أن يكون هناك تحول جذري في واقع القطاع أو كسر الحصار، مع الإشارة إلى أن قيادة حماس، وتحديداً قائد الحركة في غزة يحيى السنوار، عبر في أكثر من لقاء مع كتاب وصحفيين عن إصرار شديد لكسر الحصار، وأنه لن ينتهي عام 2019 إلا وقد حققت المقاومة هذا الوعد.

في هذه الأثناء تبرز غزة باعتبارها ساحة مواجهة ليس فقط بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال، ولكنها أيضاً ميدان للتصعيد بين إيران ودولة الاحتلال.

وقد برزت في الأيام الأخيرة اجتهادات عسكرية غير منضبطة بقرار الإجماع وغرفة العمليات المشتركة، عبر إطلاق صواريخ أو طائرات مسيرة، إلى جانب عمليات تسلل إلى داخل فلسطين المحتلة عام 48، هذه المجموعات تتبع لأجنحة عسكرية، وبعضها يتلقى توجيهات خارجية، واتساع نطاق هذه الاجتهادات خارج غرفة العمليات المشتركة يمكن أن يفعل صواعق المواجهة، وهي في نفس الوقت تفرض تحدياً كبيراً على حماس، وتستنزف قوتها، التي غالباً ما تدفع ثمنه نتيجة عمليات القصف التي ينفذها الاحتلال ضد المواقع والمقدرات العسكرية للحركة.

أما المتغير الأخطر الذي يهدد غزة فهو محاولات خلق فوضى وفلتان أمني تحت غطاء الفكر المنحرف، وقد شكلت التفجيرات الانتحارية المتزامنة، ليلة 27 أغسطس، ضد عناصر الشرطة، نقطة تحول لم تنتهِ تداعياتها، في ظل مؤشرات كشفت عنها نتائج التحقيق بتورط أجهزة مخابرات خارجية، سواء للاحتلال أو السلطة في رام الله، أو حتى تابعة لجهات إقليمية، ورغم جهود الأجهزة الأمنية في غزة وتمكّنها من التصدي لهذه الخلايا والسيطرة على الأمن في غزة، إلا أن استمرار المحاولات يرفع مستوى التوتر والضغط على القطاع.

وأمام هذه المتغيرات تسهم البيئة الفلسطينية الداخلية بتعميق الأزمات؛ في ظل استمرار السلطة في رام الله بالضغط على غزة وافتعال الأزمات الأمنية والمالية وتحويل ملف المصالحة ورقة مساومة ومناورة، بدل أن تواجه السلطة تهديدات متصاعدة جراء السلوك الإسرائيلي في الضفة الغربية، لكن إصرار قيادة السلطة وشبكة المصالح الأمنية والمالية على قبول لعب دور وظيفي يزيد حدة الاحتقان الداخلي، ويدفع نحو ترسيخ واقع فصل أعمق بين الضفة وغزة.

وتبقى البيئة الإقليمية لاعباً رئيسياً في القرار والتوجهات الفلسطينية، ويبدو الدور المصري الأبرز في قطاع غزة في ظل علاقة مصلحية مع حماس، لكنها تتأثر بسلوك الحركة في ملف التصعيد مع الاحتلال، وعلاقتها بأطراف إقليمية أخرى مثل إيران وحلفائها، وكذلك مع السعودية وشركائها.

ويتضح من زيارة الوفد الأمني المصري الأخيرة للقطاع، حسب مصادر مقربة من اللقاءات، أنها لم تقدم جديداً لا في ملف التهدئة ولا المصالحة، بل عادت المخابرات المصرية لفتح ملفات سابقة تتعلق بالتعاون الأمني بين مصر وغزة وتأمين الحدود، وتقييم العلاقة بين الجانبين.

وأمام هذه التحديدات التي يواجهها قطاع غزة وحماس، بناء على مجموعة من المعطيات الداخلية ونتيجة الانتخابات الإسرائيلية والبيئة الإقليمية، فإن قيادة المقاومة في غزة مجبرة على أن تتهيأ لتطورات متسارعة في المشهد الإقليمي والفلسطيني قد تكون غزة مركزها، كما أن مجمل هذه المعطيات ترجح فرضية التصعيد العسكري خلال الفترة القريبة، والتوجه لحسم ملفي التهدئة أو المواجهة الواسعة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة