كورونا وفيروس الفشل الأسري

في ظل غياب الإدارة الرشيدة للخلافات والحس بالمسؤولية الدينية والإنسانية يتولد في ظل الحجر المنزلي فيروس الفشل الأسري في ظروف التوتر والهلع النفسي، ويفتقد بذلك المنزل أهم وظائفه في الأمان والطمأنينة.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/WnWyjr
السبت، 02-05-2020 الساعة 02:00

مع ما فرضته ظروف الحجر المنزلي التي يعيشها الكثير من دول العالم هذه الأيام على الأفراد والعائلات من البقاء في المنازل بصورة إجبارية في بعض الدول، وبصورة اختيارية في دول أخرى، فإن التقارير تؤكد تصاعد حدة المشكلات الأسرية، ومنها ظاهرة الطلاق والعنف والتنمر ضد المستضعفين من النساء والأطفال، فضلاً عن مشكلات اقتصاديات الأسرة ولا سيما عندما يفقد رب الأسرة عمله اليومي الذي تعتمد عليه ميزانية الأسرة.

وفي ظل غياب الإدارة الرشيدة للخلافات والحس بالمسؤولية الدينية والإنسانية يتولد في ظل الحجر المنزلي فيروس الفشل الأسري في ظروف التوتر والهلع النفسي، ويفتقد بذلك المنزل أهم وظائفه في الأمان والطمأنينة.

ففي الوقت الذي كنا نظن فيه أن مجتمعاتنا العربية ستكون محصنة نوعاً ما من فيروس الفشل الأسري وتصاعد الخلافات في فترة الحجر المنزلي فإن الإحصائيات تؤكد تصاعد العنف المنزلي إلى خمسة أضعاف في بعض الدول العربية، وهذا ما دفع الحكومة التونسية إلى تخصيص خط مجاني للتبليغ عن حالات العنف الأسري.

وإذا كانت صحيفة ديلي ميل ذكرت أن سجل الزواج بمقاطعة سيتشوان جنوب غربي الصين رصد ارتفاع ظاهرة الطلاق والعنف المنزلي، وسجلت المكاتب أكثر من 300 طلب من تاريخ 24 فبراير، وعللت ذلك الارتفاع المفاجئ بأن "الأزواج أصبحوا يقضون الكثير من الوقت معاً في المنزل"؛ فإن المحاكم العربية هي الأخرى بدأت بتسجيل بعض حالات الطلاق والمشكلات الأسرية الناجمة عن ظروف الحجر، وهذه الظواهر بحاجة ماسة إلى دراسة وتحليل عميق لأسبابها، فالأصل استثمار التباعد الاجتماعي في تحقيق التواصل الأسري وتعزيز العلاقات الزوجية و الأسرية.

الأرقام والإحصائيات الصحفية التي تتحدث عن ارتفاع ظواهر الطلاق والعنف المنزلي في فترة الحجر تحتاج إلى دراسات ميدانية للبحث عن أسباب المشكلات للخروج بفهم أفضل يساعد على إيجاد الحلول، ومن وجهة نظرنا فإن تصاعد حالات العنف المنزلي والطلاق يعود إلى ما يلي:

1. وجود خلافات مؤجلة في بعض الأسر كان يتم ترحيلها بسبب ظروف العمل وظهرت في فترة الحجر.

2. تأثير حالة الهلع والتوتر النفسي تدفع البعض لتفريغ هذا التوتر ضد النساء والأطفال وتتفاقم بذلك المشكلات الأسرية.

3. وجود حالات طلاق صامت تتعايش معها بعض الأسر في ظروف العمل ولكن ظروف الحجر الصحي تضع الزوجين مع بعضهما وجهاً لوجه وتبدأ الخلافات بالتفجر.

4. الشعور بالملل من قضاء كامل الوقت في المنزل يرفع درجة العصبية والنزعة العدوانية.

5. التعبير عن الضيق من البقاء في المنزل يتم فهمه أحياناً بطريقة خاطئة باعتباره يعكس عدم تقدير أحد الزوجين للآخر، ومع عدم التفهم يتصاعد الخلاف.

6. الخلافات المادية نظراً لما قد يترتب على الحجر من تدهور للوضع الصحي بالنسبة للأسر التي تعتمد على قوت يومها من العمل اليومي.

7. لدى بعض الأفراد ميول نفسية للعزلة الاجتماعية ويجد هؤلاء صعوبة في التكيف مع الوجود الدائم للجميع في المنزل ويكونون أكثر عصبية في تصرفاتهم.

كان من المفترض أن تستفيد الأسرة من الحجر المنزلي الذي يوفر فرصاً نادرة للتواصل الأسري وتعزيز الروابط بين الزوجين وبين الوالدين والأبناء، ولكن غياب التخطيط السليم لقضاء الأوقات وإدارة الخلافات يؤدي حتماً إلى تصاعد ظواهر العنف المنزلي وتفجر خلافات الفشل الأسري غير المعلن، أو الفشل في إدارة الشجارات الصغيرة، والتي تتفاقم لأسباب مختلفة وذلك بسبب حالة الهلع والتوتر النفسي وضعف الإيمان وغياب الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية، وضعف الإعداد التربوي والتأهيل النفسي.

ولا ينبغي أن تقتصر المعالجات على الإجراءات القانونية والقضائية، فكما أعلنت بعض الدول العربية عن خط مجاني للتبليغ عن حالات العنف المنزلي كان من المفترض فتح خطوط خاصة في ظل هذه الفترة لمراكز الاستشارات النفسية والاجتماعية لمساعدة الأسرة على احتواء الخلافات قبل تصاعدها، وقبل اللجوء إلى القضاء بتقديم خدمات وفتح قنوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتقديم الدعم النفسي والإرشاد الاجتماعي والوعظ الديني، فضلاً عن أهمية وجود مبادرات عملية وخطط واقعية للاستثمار الإيجابي لأيام الحجر المنزلي.

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة