كي لا يموت عطشاً!

إذا كنت تعيش في المنطقة العربية فهذه الأرقام تهمك وتهم مستقبل أبنائك بدرجة أكبر

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/8PA834
الثلاثاء، 20-10-2020 الساعة 10:00

يصحو "أبو عبد الله" من الصباح الباكر ليحزم أمتعته مع أسرته ويستعد لتوديع قريته في محافظة "ذي قار" العراقية، التي نشأ وترعرع فيها ولكنه يجد نفسه اليوم مرغماً على فراقها لأن قطعانه وماشيته لم تعد تجد الماء الذي يكفيها لتبقى على قيد الحياة!

وليس أبو عبد الله وحده الذي اضطر إلى الرحيل، بل ما يقرب من 400 عائلة عراقية اضطرت أن تتجرع هذه المرارة بسبب نقص المياه، بحسب تصريحات وزارة الزراعة العراقية في 2018.

في منطقة مثخنة بالصراعات والتحديات كمنطقتنا العربية، تأتي تحديات التنمية المستدامة لتزيد الأمور تعقيداً، ولتفرض نفسها- شئنا أم أبينا- على الواقع الذي يزداد صعوبة وسخونة، فإذا كنت تعيش في المنطقة العربية فهذه الأرقام تهمك وتهم مستقبل أبنائك بدرجة أكبر، فحاول قراءتها بتمعن وانتباه.

حسب تقرير البنك الدولي بعنوان (الأمن المائي ما وراء الفقر المائي) فإن 17 دولة من أصل 22 دولة عربية تعيش تحت خط الفقر المائي، ولتوضيح ذلك ينبغي أن نعلم أن متوسط نصيب الفرد من المياه في العالم هو 8000 متر مكعب من الماء سنويا، وخط الفقر المتعارف عليه هو عند 1000 متر مكعب سنوياً، وللأسف فإن 12 دولة عربية يعيش سكانها تحت مستوى 500 متر مكعب من المياه سنوياً.

ما الذي تعنيه هذه الأرقام؟

هذا يعني أن المواطن العربي لن يحصل على المياه الكافية لاستخداماته السنوية من الشرب والزراعة والاستخدامات الصناعية، فضلاً عن الاستخدامات السياحية أو الكمالية، وهذا سينعكس بكل تأكيد على دخل المواطن ومصدر رزقه، فعلى سبيل المثال حسب التقديرات الرسمية تكبّد العاملون في زراعة الأرز في العراق وحدها خسائر بقيمة 34 مليون يورو في عام واحد، وذلك بسبب الجفاف وانخفاض منسوب المياه في نهري دجلة والفرات، ومنع زراعة الأرز وغيرها من المحاصيل التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه. أما الزراعة المروية (التي تعتمد على مياه الري لا الأمطار فقط) فتكاد تكون اندثرت تماماً من المناطق الجنوبية في العراق مثل الناصرية وغيرها.

انعدام الأمن المائي سيؤدي بشكل حتمي لانعدام الأمن الغذائي، في عالم عربي يعاني فجوة غذائية كبيرة بين الغذاء المنتج والطلب عليه، حيث يستورد نحو 55% من احتياجاته من المواد الغذائية، وقُدِّر العجز الغذائي في العام 2012 بحوالي 35 مليار دولار.

ويكفي أن نستذكر أن 85٪؜ من مساحة الوطن العربي هي صحراء قاحلة وتفتقر إلى الأمطار، وتصعب فيها الأنشطة الزراعية، والمناطق الزراعية إذا لم تتوفر لها المياه الكافية لإنتاج المحاصيل الضرورية، فإن النتيجة ستكون إما غياب هذه المنتجات من المائدة أو استبدالها بمثيلاتها المستورة وبتكاليف أعلى.

ولا يقتصر الأمر على الأمن الغذائي، بل يتعدى ذلك للتوترات السياسية العابرة للحدود، وقل إن شئت إنه يهدد الأمن العام، وذلك لأن 60٪؜ من الموارد المائية تأتي من خارج حدود الوطن العربي، أي إن سياسات الدول الأخرى المجاورة لها تأثير كبير جداً على حصة المواطن العربي من المياه، وما قصة سد النهضة في إثيوبيا وتأثيرها في المواطن المصري عنا ببعيد.

تتجه بعض الدول لعلاج مشكلة نقص الموارد المائية بتحلية مياه البحر، وصحيح أن تكلفة هذه التكنولوجيا قد انخفضت مقارنة بالسابق، ولكنها لا تزال تتطلب كميات كبيرة من الطاقة، وفي كثير من الدول العربية التي تعتمد على استيراد الطاقة، فإن هذا الحل يعني عبئاً إضافياً على الموازنة الحكومية، وفي حال اللجوء إليه فإنه في الغالب يقتصر على تلبية احتياجات الشرب، ولن يغطي حاجة القطاع الزراعي الذي يستهلك قرابة 60% من المياه في الوطن العربي.

بطبيعة الحال ليس هناك حل سحري واحد لهذه الأزمة الكبيرة، ولكن -في تقديري- علاج منظومة الفساد المستشري في كثير من الدول، يأتي على رأس قائمة الحلول. فقد أصبح علاج الفساد أمراً ملحاً أكثر من أي وقت مضى، فإذا أخذنا بالحسبان أن متوسط عمر مشاريع البنية التحتية في مجال المياه هو ٧-٨ سنوات، وفي ظل الترهل الذي يعاني منه قطاع المياه عموماً فإن كل تأخير في تصحيح أوضاع قطاع المياه سيترتب عليه سنوات من الأزمات المائية التي ستمتد تداعياتها على القطاعات الأخرى كالزراعة والطاقة والسياحة، وفوق هذا وذاك ستمتد إلى قوت المواطن العربي المغلوب على أمره، الذي قد ينتهي به الحال للنزوح "كي لا يموت عطشاً"!

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة