ليسوا مجرد أرقام.. قصصهم الإنسانية  تخبرك من هم

وضع َ الاعلام  عن قصد أو دونما قصد الضحايا المدنيين في سلة واحدة مع المسلحين أو المقاتلين الذين من المفترض أن الغارات الجوية والأعمال القتالية  تستهدفهم حصراً.

الرابط المختصرhttp://cli.re/gvbroo
الثلاثاء، 18-09-2018 الساعة 20:34

خلال الأشهر والسنوات الماضية استمع المرء بشكل شخصي إلى عشرات وربما إلى مئات القصص ذات المحتوى الإنساني، لأشخاص أو عائلات كانوا ضحايا لأعمال قتالية أو تهجير وقمع وحصار وتجويع في سوريا والعراق وفلسطين واليمن وليبيا وأفغانستان وغيرها، قام بها هذا التحالف العسكري أو ذاك تحت مسمى محاربة الإرهاب أو إعادة الشرعية والاستقرار.

لكن أياً من هذه القصص لم يتطرق إليها وإلى تفاصيلها الإعلام بكافة أصنافه وأشكاله إلا فيما ندر أو في حالات معينة و محدودة، فوضعَ الاعلام  بهذا عن قصد أو دونما قصد هؤلاء الضحايا المدنيين في سلة واحدة مع المسلحين أو المقاتلين الذين من المفترض أن الغارات الجوية والأعمال القتالية تستهدفهم حصراً، أو حولهم بأفضل الأحوال إلى مجرد أرقام لضحايا مدنيين أبرياء قتلوا أو استُهدفوا عن طريق الخطأ أو عانوا بشكل غير مقصود.

لكن هذا الواقع الذي يعكس حالة إعلام قد يكون متواطئاً أو فاقداً لمنهجية العمل وبوصلته وأدواته وأساليبه الصحيحة في أداء المهمة وإيصال الرسائل، إن كان ثمة من رسائل يراد إيصالها للمتلقي، لا يخلو مع ذلك من لفتات وإبداعات تخرج عن الخطأ والتقصير المألوف إلى ما هو إستثنائي غير عادي من العمل والأداء الإعلامي الصحيح.

ففي أواخر أيام شهر أغسطس الماضي، بثت إحدى القنوات الإخبارية العربية تقريراً من محافظة إدلب السورية عن عائلة مهجرة إلى المحافظة من منطقة سورية أخرى.

وكان اللافت في التقرير هو تخلي معديه عن مهمة التحدث والشرح وتركها إلى أصحاب القصة أنفسهم، فصورهم  التي تبدأ بمشهد طفل ابن سبعة أعوام يعمل على إصلاح إطار سيارة أكبر منه حجماً في ورشة تصليح للسيارات وبحركات رشيقة ومتقنة تحاكي حركات الكبار في مثل هذا الموقف، مع صوته وأصوات بقية الأسرة التي تأتي تباعاً، هي الأقدر بكل تأكيد على سرد قصتهم وتوصيف حالتهم التي تتشابه أو ربما تتطابق أحياناً مع قصص الكثيرين من أبناء بلدهم المنكوب.

في القصة المذكورة تروي الأم أنه وفي ظل فقدان الأب في سجون النظام السوري والتهجير القسري إلى محافظة إدلب، وفي غياب المساعدات الإغاثية والإنسانية المنتظمة، وتعففها هي كأم عن سؤال الآخرين واستعطافهم، لم يكن لديها من  
خيار سوى الموافقة على تشغيل طفليها (13 عاماً و 7 أعوام) في هذا العمل الشاق، رغم أنها كانت تفضل عوضاً عن ذلك إرسالهم إلى المدرسة ككل الأطفال في مثل أعمارهم.

يوصل التقرير المشاهد إلى لحظة قصوى من التفاعل العاطفي والإنساني مع مآساة العائلة عندما تبكي الأم قهراً على الحال الذي وصلوا إليه، فليتفت إليها طفلها الجالس في حضنها  في حركة عفوية لا تخطئها عين المشاهد، محاولاً مسح دموعها بيده أو مواساتها ومخاطبتها بنظراته للكف عن البكاء.

لم تحتج أسرة التحرير في موقعنا الإخباري الموجه إلى قراء الألمانية إلى زمن طويل لتقييم ومعرفة أهمية هذا التقرير وطريقة تناوله واستعراضه للمحتوى والرسالة التي يريد إيصالها للمتلقي عن جانب مأساوي من جوانب الحرب في سوريا، فكان القرار بترجمته إلى اللغة الألمانية وإدراجه في اليوم التالي ضمن التحديث اليومي للمحتوى.

في غضون الثمانية والعشرين ساعة التي أعقبت بث التقرير ، وصلتنا  كما كان متوقعاً عشرات الرسائل التي تحمل ردود أفعال وانطباعات القراء والمتابعين، المتأثرة بالقصة والمتعاطفة إلى حد كبير مع شخوصها، بل أن بعض الرسائل أصرَ علينا أصحابها مساعدتهم في محاولة الوصول أو التواصل مع العائلة السورية بغية مد يد المساعدة إليها.

بالنسبة للقراء ومع هذه القصة فقد بات المهجرون الى محافظة إدلب من مختلف المحافظات والمناطق السورية الأخرى والبالغ تعدادهم أزيد من مليون شخص، أكثر بكثير من مجرد معطى من معطيات أو رقم من أرقام الصراع والحرب في سوريا يمكن ذكره أو المرور عليه بشكل عابر كلما استدعى الأمر ، إنما أيضاً وهذا هو الأهم بشرٌ لديهم قصصهم الإنسانية التي تستحق من القارئ التفاعل والتعاطف معها والتفكير بها.

ما سبق يعطي القائمين على العمل الصحافي فكرة ورؤية عن الكيفية الأمثل والأكثر نجاعة في شرح معاناة شعب من الشعوب في ظروف الحروب والنزاعات أو الحصار والاحتلال والفوضى، والفتن السياسية والأزمات على أنواعها، خاصة وأن منطقتنا العربية والإسلامية تحفل بهذه المعاني والمفردات جميعها.

ففي قطاع غزة مثلاً والذي يعج بمئات الآلاف من ساكنيه ومواطنيه والقابع للعام الحادي عشر على التوالي تحت حصار بري وبحري وجوي يرتخي حيناً ويشتد أحياناً لدوافع سياسية بحتة،  فقد انتج الحصار الطويل أوضاعاً وظواهر  اجتماعية وإنسانية ظلت بدورها تتطور وتتفاقم على أرض الواقع إلى درجة اعترف معها بعض السياسيين حول العالم ووسائل الإعلام والمنظمات الدولية بحقيقة أن ما يعيشه قطاع غزة ومواطنوه تحت الحصار والتضييق يعتبر واحداً من المآسي الإنسانية الأبرز في هذا العالم.

لقد أخطأ إعلامنا أو قصَّرَ خاصة المتمكن مالياً ومهنياً في طريقة تغطيته وشرحه لتبعات ونتائج الحصار الذي يتعرض له القطاع  على المستوى الاجتماعي والإنساني للسكان، مسجلاً فشله في تأكيد وترسيخ الصورة الحقيقية للأوضاع في قطاع غزة في ذهنية ووعي جمهور القراء والمشاهدين حول العالم، حينما اكتفى باستعراض الحالات الإنسانية والأوضاع الصعبة للسكان بشكل عام، دون ملامسة التفاصيل الأكثر تأثيراً وربما استنفاراً لتركيز وتفاعل القارئ والمتابع إلا فيما ندر، مستنداً عوض ذلك على لغة الأرقام التي اعتقد أنها تضيف المزيد من الدقة والموضوعية لتغطياته الإعلامية.

فأعداد المرضى من مواطني قطاع غزة مثلاً الذين يحتاجون للسفر بشكل عاجل إلى خارج القطاع لتلقي العلاج من أمراض خطيرة ومستعصية بلغ، حسب إحصاءات وبيانات وزارة الصحة الفلسطينية، نحو أربعة آلاف شخص يموت الكثير منهم بشكل بطيء وأحياناً عاجل نتيجة لظروف الحصار وما تفرزه من تأخير متعمد في إنجاز معاملات وإجراءات سفر المرضى أو حتى منعهم من السفر بالمطلق.

وفي حال قررت وسيلة إعلامية ما تسليط الضوء على هذه المأساة بقصة وتغطية خاصة، فإن أمام مراسلي هذه الوسيلة في المكان أحد خيارين: التحدث عن معاناة ومأساة المرضى بشكل عام مدعمة بأرقام تظهر عددهم الإجمالي وأعداد الوفيات في صفوفهم مع شهادات سريعة لبعضهم وللمسؤولين عن قطاع الصحة.

والخيار الثاني: التركيز على قصة واحدة لأحد المرضى وترك القارئ أو المتلقي يتعرف على تقاصيل القصة وما تحمله من معاناة لهذا الشخص ومحيطه الأسري والاجتماعي على لسان الضحية نفسها وبصوته وملامحه الحقيقية ضمن سيناريو تحريري أو تصويري محكم، انتهاء ً بإبراز حقيقة أن هذه المأساة الشخصية المطروحة هنا بتفاصيلها والتي حققت تفاعلاً وتعاطفاً من القارئ أو المشاهد ما هي في واقع الأمر إلا حالة واحدة من مئات بل آلاف الحالات المشابهة نتيجة للحصار وما يتسبب به من صعوبات وتضييق متعمد.

بلا أدنى شك بالنسبة للجمهور المستهدف فإن الخيار الثاني هو الأكثر  تفضيلاً وجاذبية وجلباً للتركيز والانتباه وصولاً إلى تحقيق الهدف المرجو، وهو نقل التعاطي الإعلامي معهم ونظرة الجمهور لهم من كونهم مجرد أرقام في قصة أكبر اسمها الحصار وإفرازاته وتفرعاته إلى أناس وبشر في حالة معاناة ينبغي مساعدتهم على التخلص منها وإدانة المتسبب بها.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة