ليه السيسي ما ينفعش يتباع؟!

يمكن للحاكم في بلادنا أن يترك العقول تهاجر إلى بلد أخرى لتخدمها في الفيزياء والكيمياء والهندسة النووية، فهو بهذا يؤدي دوره في دعم وتمكين المنظومة العالمية التي مَكَّنَتْه من الحكم.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/Ldvjna
الأربعاء، 29-05-2019 الساعة 10:52

يوماً ما من عام 2001 أرسل أستاذ مصري للهندسة النووية رسالة نشرها بريد الأهرام، يتذكر فيها أسماء دفعته من طلاب الهندسة النووية بجامعة الإسكندرية، وكيف صار كل واحد منهم أستاذاً في هذا التخصص في أمريكا وكندا وألمانيا وغيرها، ولم يبق أحد منهم إطلاقاً في مصر، ثم تساءل عن جدوى بقاء قسم للهندسة النووية بجامعة الإسكندرية ما دام أن البلد لن تستفيد منهم، إذ حقيقة الأمر أن البلد تنفق على الطلاب ليستفيد منهم الأجانب!

بعد نحو عشرين عاماً من هذه الواقعة كان خير ما تفتَّق عنه ذهن عبد الفتاح السيسي، الذي صار رئيساً لمصر، أن يأخذ من هذه الدول ضرائب على العقول المهاجرة، ثم يقهقه ضاحكاً، من السعادة أو من البلاهة لا فرق، وكان الجدير به أن يتحسر على هذه الكفاءات وأن يسأل نفسه: لماذا تهاجر؟ وكيف يمكن استعادتها والاستفادة منها؟!

لكن سؤال الأستاذ يظل يطرح نفسه بقوة: ما فائدة قسم الهندسة النووية في بلد لا تنوي ولا تفكر في أن تكون قوة نووية، ومن ثم فلا مجال أمام خريجي هذا القسم إلا أن يكونوا تروساً في آلة القوى النووية الكبرى؟

وعلى نمط سؤال الأستاذ نريد أن نطرح ذات السؤال على باقي "مؤسسات" و"قطاعات" بلادنا العربية المنكوبة:

فإن لم تكن هذه الأنظمة تفكر في التحرر، وأن تكون قوة حقيقية تملك قرارها، فلماذا يكون لديها الجيوش؟ ولماذا تستنزف الأموال الهائلة في صفقات سلاح خيالية ثم لا تجدي شيئاً؟! إنك لو فتشت في تاريخ العرب المعاصر لن تجد جيشاً أخطأ ذات مرة ودخل في حرب على عدو للأمة، إنما يحارب بعضهم بعضاً، وهذا إن حاربوا من الأساس. حتى حرب أكتوبر اليتيمة في هذا التاريخ المعاصر لم تكن حرباً بالمعنى التقليدي للحرب، وإنما كانت عملية خاطفة مفاجئة استهدفت تحرير بضعة كيلومترات وتجميد الموقف العسكري، ثم إنها لم تنته بنصرٍ بل انتهت بالتعادل في أحسن الأحوال أو بالهزيمة العسكرية طبقاً للوضع الذي انتهت إليه. على أننا لو تجاوزنا كل هذا وقلنا إنها كانت نصراً فهل يكافئ هذا النصر الوحيد اليتيم طوال القرن الماضي ما خسرته الأمة من أرواح أبنائها وشبابهم ومن أموالها التي موَّلت صفقات السلاح الفلكية؟!

وإذا كان الأمن في بلادنا ضائعاً، وتتزايد معدلات الجريمة بسرعة مجنونة، كما يتزايد معها انحسار دائرة الأمن حول العواصم والمدن ومنابع الثروة، ويتزايد الانفلات الأمني في الزوايا والحواري والقرى والأرياف والمناطق المهمشة.. إذا كان الوضع كذلك فما فائدة وجود الشرطة؟ قد يمكن تحقيق هذه الأهداف ببساطة من خلال شركات الأمن الخاصة التي ستعفي بلادنا من بذل شباب أبنائها وأعمارهم، ثم ستعفيها من بذل أموال التسليح في صفقات المدرعات والأسلحة وقنابل الغاز وأنواع التجهيز، لا سيما أن شركات الأمن الخاصة تطورت إلى منظمات عالمية عتيدة التدريب والتجهيز والتسليح!

إذا كانت كليات القانون تنهمر علينا بعشرات آلاف ومئات آلاف الطلاب سنوياً بعد دراستهم الطويلة لمطولات القوانين وفلسفاتها وتاريخها وأقسامها وإجراءاتها، لكن لن تستقبل المؤسسات القانونية إلا أبناء كهنة القانون وأقاربهم لتعيد تدويرهم في مناصب آبائهم وأصهارهم، ثم يعيدون هم تكرار سيرتها الفضائحية التي جعلت القضاء في بلادنا مضرب المثل في الفساد والظلم، بل وفي الكوميديا السوداء الأليمة التي تسحق يومياً الأرواح والأعمار والأموال والدموع؛ بين المشانق والسجون والغرامات.. إذا كان هذا هو الحال فلماذا تفتح كليات القانون أفواهها لتستهلك أعمار هذا القدر الهائل من الشباب وأموالهم وهم لن يعملوا بالقانون، ولو عملوا به لكانوا هم أمثلة قتل القانون؟!

ومثل هذا يقال عن كليات الإعلام التي بعدما تدفق الخريجين فلن يجد سوق الإعلام في بلادنا إلا صاحب الواسطة لا صاحب الموهبة، أو في أحسن الأحوال صاحب الموهبة الذي لا تنقصه الواسطة، فإن كان ولا بد فصاحب موهبة لا تنقصه موهبة بيع نفسه وضميره لتتأقلم مع منظومة السوق الإعلامي وقيمه، لتخرج الشاشات وهي تعزف منظومة شاذة كئيبة من الانهيار الفكري والتفاهة المعرفية، فضلاً عن الانحطاط الأخلاقي المريع.

ومثل ذلك أيضاً عن الكليات الشرعية التي تكاد تجدب من إخراج الفقهاء الجامعيين بين علم الشرع وعلم الواقع، ثم بين العلم والعمل، فأكثر خريجيها ساكت، وكثير منهم منافق، وأقل القليل منهم: عالم صادح بالحق رافض للظلم عارف بما يجب أن يُقال وكيف يقال.

السبب في بقاء كل ما سبق هو نفسه السبب في فسادها..

يمكن للحاكم في بلادنا أن يترك العقول تهاجر إلى بلد أخرى لتخدمها في الفيزياء والكيمياء والهندسة النووية، فهو بهذا يؤدي دوره في دعم وتمكين المنظومة العالمية التي مَكَّنَتْه من الحكم وأجلسته على كرسي السلطة في بلادنا، إلا أنه لا يمكن أن يتخلى عن الجيش والشرطة والقضاء والإعلام ونحوهم.. لسبب بسيط: أن خدمتهم لهذه المنظومة العالمية نفسها إنما تكون من داخل هذه البلد!

مؤسساتنا في الحقيقة هي مؤسسات إنتاج وتصنيع العبيد، مؤسسات تجهيز الجنود والبيادق لتركيع الشعوب وإخماد حركة تحررها:

هي جيوش لم توجد لكي تحارب العدو أو لتحمي الحدود، بل لكي تمارس الحكم وتنقلب عسكرياً وتنصب المذابح في الشوارع، فإذا جاءها العدو انسحبت وتركت الأراضي حلالاً زلالاً، هذا إن لم تتنازل عن الأرض باتفاقيات سياسية من غير حرب أو نتيجة للحرب. ومع كل ما أنفق على هذه الجيوش لتجهيزها وتدريبها وتسليحها فإنها تخفق في مواجهة مجموعات مسلحة صغيرة، فلا جيش السعودية (التي تضرب المثل بأرقام صفقات التسليح) والإمارات يستطيع الانتصار على الحوثيين، ولا جيش مصر يستطيع حسم المعركة مع تنظيم ولاية سيناء، ولا جيش لبنان يجرؤ على التفكير في مواجهة حزب الله، ولا جيش سوريا يتمكن من مواجهة التنظيمات المسلحة، وهذا كله مع وفرة المال والدعم الاستخباري والسياسي والعسكري أحياناً، ومع سخاء هذه الجيوش في ارتكاب المذابح دون تردد!!

وهي شرطة لم تؤسس لحفظ أمن الناس والدفاع عن ممتلكاتهم، بل للسيطرة عليهم وتكبيلهم وإخضاعهم لإرادة السلطة، ولذلك فهي في التعامل مع مظاهرة احتجاجية أكثر كفاءة من التعامل مع معركة شوارع بين مجموعة من البلطجية، أو مع مجموعة تهريب مخدرات. وفي هذا السياق يتحول أفرادها (مثل إخوانهم عناصر الجيش) إلى مسوخ بشرية لا إنسانية، لا تفهم غير لغة القوة وإطاعة الأوامر، لقد جرى إعدادها وتجهيزها منذ لحظة الالتحاق الأولى بالكلية لكي يكونوا آلات قاسية باردة لا تفكر في معنى ما تفعل ولا في أخلاقيته.

وهو قضاء لم يوضع لإقامة العدل بل لشرعنة سياسة السلطة، وتحويل عملية الظلم والسحق إلى منظومة فلسفية منمقة مزخرفة مشحونة بالألفاظ الرتيبة والتعبيرات الرصينة، ونصب تمثال القانون في موضع تمثال الصنم في العصر الجاهلي، حيث عليك أيها المواطن احترام القانوني مهما كان ظالماً ولا أخلاقياً، ثم عليك احترام القضاء مهما انتهك القانون وتعدى عليه في سبيل شرعنته سياسة السلطة التي لم تعد تتفق مع القانون كما وضعته لنفسها!

وهو إعلام لم يكن يوماً لتوعية الناس بل لتعبيدهم، لإخضاع نفوسهم وعقولهم لرغبة السلطة، لنشر التفاهة والسقوط والانحلال فيهم، إعلام يقوم بمهمة تصنيع الإله الذي يجب أن يطاع في هذه البلد، وهو الرئيس أو الملك بطبيعة الحال، فكل رئيس في بلده إله، ما أجمله وما أحكمه وما أعدله! معبود الجماهير، مهيب الركن، حكيم الأولين والآخرين، يرعى العلم والفن والثقافة والرياضة والمرأة والفقير... إلخ!

مثل هؤلاء لا تقبل دول الهيمنة أن نصدرهم لها كما يقبلون علماء الكيمياء والفيزياء والهندسة النووية، فمثل هؤلاء يؤدون دورهم في بلادنا، إنهم أركان مصنع إنتاج العبيد، وحراس آلة الاستبداد الوحشية، إنهم خط الدفاع الأول عن المنظومة العالمية المهيمنة، وهم مخلبها الأول والأقوى والقليل التكاليف.

لهذا كله لن تجد السيسي يقهقه طالباً ضريبة عقل مهاجر، بل سيقف صارما ليقول: أنا لو ينفع أتباع لاتباع. فهو يعرف والبقية يعرفون أنه "ما ينفعش يتباع"!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة