ماذا عن فلسطين في مناظرة الرئاسة التونسية؟

يُسجل لتونس وشعبها الذي أطلق شرارة ثورات الربيع العربي التجربة الملهمة في تداول السلطة ودروس غنيّة في الديمقراطية.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/P3KErM
السبت، 12-10-2019 الساعة 12:17

بداية من نافلة القول إننا أمام حدث مهم وفريد ونوعي في وسطنا العربي والإسلامي، حيث نشهد كشعوب ثارت وانتفضت توقاً للحرية والعدالة والكرامة مناظرة تلفزيونية لانتخابات رئاسية عربية بعد عهد طويل مع المرشح الواحد الأوحد ونسبة 99.99% التي انطبعت في ذاكرة أجيالنا على مدار عقود خلت. 

ولا شك هذا يُسجل لتونس وشعبها الذي أطلق شرارة ثورات الربيع العربي، وقدم حتى الآن تجربة ملهمة في تداول السلطة ودروس غنيّة في الديمقراطية.

على مدار ساعتين تابعت مناظرة الرئاسة التونسية ودونت العديد من الملاحظات في محاورها الأربعة، وتشكلت لدي انطباعات عن كلا المرشحَين؛ فقد بدا لي من تعريف كل منهما بنفسه أن نبيل القروي كان مرتبكاً، وسرده ركيكاً خاطفاً متجاوزاً لبعض المفاصل التي تعد رئيسية وهامة في حياة كل فرد، وكأنه يريد القفز عن حادثة معينة أو حوادث متعلقة في مسيرة حياته، ولعل ذلك مرتبط بواقعة سجنه! فيما كان قيس سعيد واضحاً متسلسلاً في سرد تاريخ حياته منذ الطفولة وحتى لحظة وجوده في المناظرة، بلغة عربية فصيحة ودارجة تونسية مريحة. 

ثمة قضايا عديدة يمكن التوقف عندها في المناظرة وفي كل محور، لكن أود التركيز على بعض العناوين التي أعتقد أنها مفصلية، وهذا بتقديري لأن الناخب التونسي لديه أولوياته، ولكني هنا أرصدها كفلسطيني أولاً، وكعربي مسلم متابع لهذه التجربة الديمقراطية، مع تركيز على رؤية كلا المرشحين للقضية الفلسطينية، وقد جاء ذلك حقيقة في نقطتين أو ربما سؤالين محددين؛ الأول كان عن التطبيع، والثاني عن  التسريبات الإعلامية حول تعاقد المرشح نبيل القروي مع شركة كندية يرأسها ضابط الموساد الإسرائيلي السابق آري بن ميناشي، حيث صُنِّف ذلك بأنه يأتي في إطار سعيه لكسب دعم قادة أجانب؛ على غرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبالتالي تعزيز فرصه في انتخابات الرئاسة.

بالطبع  أقر القروي بأنه التقى بن ميناشي، لكنه في الوقت نفسه ألقى باللائمة على أجهزة الدولة التي سمحت له بالدخول دون التحرّي عنه جيداً، لا سيما أنه قُدِّم له كما قال على أنه مستثمر كندي، وحقيقة ظهر تناقض لدى القروي في هذا التفصيل من القضية؛ لأن مقدم البرنامج سأله لماذا لم تتحرى أنت أو فريق عملك عنه ولو باستخدامك محرك البحث جوجل؟ إلا أنه أصر على أنها ليست مهمته، في حين عرض شرحاً تفصيلياً وواضحاً عن أعمال هذا المستثمر الاقتصادية ونشاطه، ما يعني أنه كان قادراً على التعرف على أية معلومات أخرى عنه لو شاء! وهنا حقيقة مأخذ على منافسه قيس سعيد؛ الذي لم يتدخل في هذه النقطة التي يمكن له البناء عليها وتسجيل نقاط لصالحه في المناظرة لجهة قضية حساسة من هذا النوع وركيزة أساسية في وجدان الشعب التونسي والعربي.

أمّا فيما يتعلق بالتطبيع فقد كان المرشح سعيد حاسماً وغير متردد نهائياً في إجابته وإصراره على أنها خيانة عظمى، مفرّقاً بين التعامل مع اليهود كدين ومع الصهاينة كمشروع محتل لأرض عربية، وهذا يُحسب له.
فيما ظهر المرشح نبيل القروي متردداً في بداية إجابته، ثم أحال الأمر إلى مقاربة السلطة الفلسطينية للموضوع، وأكد أنه سيتعامل مع التطبيع كما تتعامل السلطة، وهذا كان بمثابة مخرج له بتقديري للهروب من موقفه الحقيقي الذي هو أقرب لمصطلح "اللعم"، وربما ذلك مرتبط بالتوقيت أي إن هذه إجابة ما قبل الانتخابات.

لا شك هناك كثير من الأمور التي تستحق أن تفرد لها مادة خاصة، ولكن من زاويتي سلّطت الأمر على هذه القضية وكإعلامي لفت انتباهي إجابات ورؤية كلا المرشحين حول حرية الرأي والتعبير والتعاطي مع الصحفيين والإعلاميين، وهنا ربما كانت الإجابات متقاربة إلى حد ما في عدم التعدي على حرية الرأي والتعبير، وإفساح المجال أمام وسائل الإعلام المختلفة، وصون العمل الصحفي، لكن جملة وعبارة للمرشح قيس سعيد كانت غاية في الأهمية؛ وهي أن حرية التفكير تسبق حرية الرأي والتعبير، وفي ذلك إشارة مهمة لدور الفكر السياسي وضرورة تطوره وتهيئة مناخ وبيئة مناسبة له.

أخيراً ومع تمنياتي لتونس الشقيقة وشعبها الحر في اختيار موفق لمن ينهض بها وبدورها لاحظت أن هناك تخوفاً لدى المرشح القروي من دعم حركة النهضة للمرشح قيس سعيد، وهذا كان واضحاً في طلبه بتعليق أخير مركزاً في مضمونه الرئيسي على هذا  الأمر، أما عن تخوفي الشخصي فهو أن ينجح المرشح قيس سعيد ويخوض غمار الرئاسة بلا كتلة نيابية داعمة ومن دون أن يُمكّن من أدوات للحكم يتمتع بها المرشح نبيل القروي، سواء عبر كتلته النيابية أو أذرعه الإعلامية المتشعبة وأدواته الاقتصادية المتعددة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة