ما بين الأزهر وقطر

التقليل من دور الخطابات القوية في الهيئات والشخصيات الرسمية المتمسكة بمواقف الأمة المبدئية خطأ كبير

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/kpXBBx
السبت، 03-07-2021 الساعة 08:15

تقدمت صورة الإمام أحمد الطيب من جديد والأزهر الذي ينتعش في عهده، خلال العدوان الصهيوني على القدس وغزة، في مايو الماضي، كان ذلك في بيان مبكر جداً على صفحة الفيسبوك، ثم تغريدات قوية مباشرة منه، واصطفاف أزهري مع الشعب في كل الأرض المحتلة، وإسناد لأحياء المقدسيين.

وللهيئات الدينية الرسمية تأثير مهم للغاية، وهو ما كان حاضراً أيضاً في صوت الإمام أحمد الخليلي مفتي سلطنة عمان، الذي تتابعت بياناته في التضامن مع فلسطين والمواجهة الفكرية مع الفكرة الصهيونية.

والتقليل من دور الخطابات القوية في الهيئات والشخصيات الرسمية المتمسكة بمواقف الأمة المبدئية خطأ كبير؛ إذ إن الحملة على ثوابت الأمة هو مشروع فكري سياسي راهنت عليه القوة الصهيونية ورديفها الغربي، ثم أخضعت مؤسسات دينية للمسلمين وشخصيات منهم لترويج مفاهيم تخدم الانحياز الغربي، والتطرف الصهيوني، ولا علاقة لها بمفاهيم التضامن والتحالف الإنساني الذي نؤمن به لكل الشعوب والديانات في الأسرة البشرية.

فنطرح هنا المفهوم الآخر لحوار الحضارات، فقد رعت الدوحة العديد من دورات الحوار الديني والحضاري، الذي يحتاج دوماً إلى توازن القوة الفكرية، وشراكة علماء الأمة الشرعيين وحملة القلم في الجدل الفكري المعاصر، وكان ذلك في غياب مؤسسة الأزهر خلال التوتر السابق.

في حين يُمثّل الأزهر، وبالذات في خطاب الإمام الطيب الجديد، قوة وتوازناً في ذات الوقت، فهذا المنبر والمصلحة الإنسانية منه لا يفيدها مقدمات الهزيمة الفكرية، فالغرب له جسورٌ حضارية معتدلة، ولكن لديه بغيٌ سياسي وفكري سيئ للغاية، لا يقبل وضع موازين مستقلة لفهم تقييم الحضارات.

والأزهر كمؤسسة تاريخية مهمة جداً حوت العديد من الشخصيات العلمية الفقهية والفكرية، وحتى مساحة الصراع بين الأطياف الفكرية المصرية والأزهر، بحسب دورات التاريخ الثقافي، فهي ليست قطيعة كاملة، ولكنها كانت أيضاً مساحات تلاقح مهم للأفكار، لا تنفي وجود متطرفين من الجانبين الديني الأزهري والعلماني المصري.

هنا نستحضر تنوع هذه المدرسة وميلاد شخصيات كبرى منها؛ كوالدنا الإمام يوسف القرضاوي، وخاصة من خلال منبر الإمام التنويري القديم وقبل مرحلة تسييس اتحاد علماء المسلمين، وشيخه الإمام المجدد محمد الغزالي رحمه الله، سائلين الله الشفاء لشيخنا القرضاوي، الذي احتضنته قطر، في مبادرة يحمل لها المسلمون كل تقدير، وقد كان الشيخ القرضاوي في ذلك العهد منبراً للوسطية والتواصل الحضاري، في زمن هيمن فيه التشدد والخطاب المنغلق، الذي يعود اليوم مع الأسف فيُحاصر الفكر الإسلامي الحر بين اتجاهين؛ اتجاه منحاز للغرب واتجاه منغلق متخندق في مواجهة المسلمين، يقمع التجديد الفكري المقاصدي الإسلامي قبل غيره.

ولذلك فإن الرابطة الفكرية في تقديري بين الأزهريين المتميزين متصلة رغم المواقف السياسية، وقطر ستسند منصتها بهذه المؤسسة المصرية العريقة التي ستسهم في خلق علاقة نوعية بين الدوحة والقاهرة، وأياً كان من يحكم مصر سيستفيد منها لأجل رسالة مصر المهمة في حاضر العالم الإسلامي ومكانة الأزهر الكبيرة.

كما أن هذا الإطار من المشاركات يفتح الباب لعودة المهام الإسلامية الكبرى لصالح أوطان المسلمين لمحاولة التخفيف من الصراعات وفتح المصالحات السياسية، فهو حوار حضاري ليس موجهاً لأجل الجسور مع الغرب فقط، بل مع المسلمين أنفسهم، ومنصة الدوحة المتميزة بهذه التنظيمات ستجد شريكاً نوعياً مع الأزهر الشريف، وأشير هنا إلى وجود شخصية إسلامية متوازنة في الموقف من الأزهر وهو من أبنائه، وهو د. محمد الصغير، كما هو د. عصام تلّيمة، شراكتهم ستكون إيجابية في المساحة الفكرية، بغض النظر عن الموقف السياسي، فالحوار هنا حضاري عالمي خارج السياسة.

كما أني أؤكد أن قطر اليوم تحمل من أجيال طلبة العلم وحملة الفكر القطريين، من المخضرمين ومن جيل الشباب، قائمة مميزة من فقهاء ومن نخب فكرية، مشاركتهم ورعايتهم وتداخلهم مع الأزهر الشريف مباشرةً، الذي له تاريخ قديم في قطر؛ مهمة للغاية، وهي ضمن مفهوم بناء شراكة بين المدارس الإسلامية ومن ضمنها السلفية الحنبلية، تتحول إلى تحالف أخلاقي فكري يؤسس لوعي جديد في حاضر العالم الإسلامي، وخاصة عبر بوابة الأزهر الشريف، وعي مهذب يجادل في مصالح المعرفة الإنسانية وفلسفتها الأخلاقية، بخطاب الفكر المستقل لا السياسية المنحازة.

Linkedin
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة