مخاطر القبول الجزئي بصفقة القرن

المسألة ليست ماذا نقبل من الخطة؟ وماذا نرفض؟ بقدر ما هي القبول بالإطاحة بكل الخطابات القانونية والسياسية التي قبلت بالحدِّ الأدنى من الحقوق الفلسطينية

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/P3DD1z
الثلاثاء، 25-02-2020 الساعة 15:11

بدأت بعض الأصوات في العالم العربي تطالب بالتعاطي مع صفقة القرن التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للإجهاز على القضية الفلسطينية، وإسدال الستار على القضايا الأكثر أهمية وجوهرية، وهي ما تُعرَف بقضايا الحل النهائي، فيما تبقّى من أرض فلسطين المحتلة، بعد هزيمة العرب في عام 1967، تلك الصفقة التي أعلنت نهاية القوانين الدولية ذات الصلة، مرجعيَّةً للتفاوض، والحلِّ النهائي.

ومِن أبرز تلك الأصوات الموقف السعودي الذي عبّر عنه وزير الدولة للشؤون الخارجية عادل الجبير، إذ قال خلال مؤتمر صحافي، على هامش زيارته للعاصمة الرومانية بوخارست، الجمعة: إن "هناك عناصر إيجابية في خطة ترامب للسلام، ويمكن أن تكون أساساً للتفاوض".

وعلى الصعيد الفلسطيني طالعنا رأياً يدعو إلى الامتناع عن إعلان الرفض الكامل للصفقة، والترحيب بالعناصر الإيجابية فيها، والدعوة إلى مؤتمر دولي للسلام لتطوير الصفقة، وذلك بدعوى الحنكة السياسية.

وفي المقابل، اعتبرت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، كيلي كرافت، أن الخطة الأمريكية الإسرائيلية "واقعية ويمكن تطبيقها"؛ وأضافت أن الخطة "ليست مشروعً منزلاً للقبول أو الرفض". متحدثة عن "أساس للتفاوض واقتراح لإطلاق حوار". واعتبرت كرافت أن قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الخاصة بحلِّ الصراع العربي/ الفلسطيني الإسرائيلي بمثابة "سجل مذهل للفشل، ولم تسفر عن شيء"، جاء ذلك في جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة بمشاركة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، حول "صفقة القرن".

ولا نجد بُدّاً من التحذير من هذا التناول لصفقةٍ تدمّر المستقبل الفلسطيني، وتخفض سقف التفاوض إلى حدود لا يمكن التعاطي معها، حتى من قِبَل من يوصفون بالاعتدال، وتُقصي القرارات الدولية عن أن تكون مرجعية، وتجعل بدلاً منها بنودَ الخطة البالغة الإجحاف، والانحياز للنظرة الليكودية والاستيطانية.

وهي قبل ذلك تمثّل صفعة لكل الآمال والجهود الفلسطينية التي عوّلت طوال مسيرة التفاوض، منذ اتفاقية أوسلو، ومؤتمر مدريد، على الدور الأمريكي، وتتجاهل كل الضمانات والمواقف الأمريكية التي قدّمتها إدارات أمريكية متعاقبة تجاه حلِّ الدولتين، وتُجاه الاستيطان، وحتى الاحتلال برمّته للضفة الغربية والقدس. كلُّ ذلك بذريعة الأمر الواقع، وأن الواقع الميداني على الأرض المحتلة، أيْ الاستيطان والاحتلال، ترسَّخا لدرجةٍ لا يمكن تجاهلهما أو إنهاؤهما.

مقابل ذلك تعِدُ الخطة الأمريكية بدولة فلسطينية، اعترف رئيس حكومة الاحتلال، مؤخًّراً بأنَّ شروط إقامتها تعجيزية، في الوقت الذي تمنح فيه دولة الاحتلال تفويضاً غير معلَّق بشرط، بضم مناطق حيوية وواسعة من الضفة الغربية، وهي منطقة الأغوار وجنوبي البحر الميت، وهي التي تمثل قرابة 30% من مساحة الضفة المحتلة،  كما تمنح الاحتلال الحقَّ في ضمِّ المستوطنات كلِّها، حتى تلك التي بنيت بطريقة غير قانونية، وَفْق معايير الاحتلال نفسه.

لا يخفى أن المنطق الذي يحكم القابلين بالتعاطي مع الصفقة، جزئيّاً، هو منطق الخضوع للقوة لا منطق العدالة، ولا منطق احترام الذات، فالخطة لا تملك أيّ دُفوعات حقوقية، أو قانونية، سوى الاتِّكاء على أطروحات دينية توراتية، وظَّفتها الصهيونية من أجل طمس فلسطين والحقوق الفلسطينية الوطنية والسياسية، وهؤلاء القابلون بالتعاطي مع خطة بهذه الخطورة يقبلون بنقلة واسعة إلى الوراء، إلى المطلق الأمريكي، بل الترامبي، الليكودي المتطرِّف والعنصري، فليس ثمّة تمسُّكٌ، أو احترام حتى للمبادرة العربية للسلام التي اشترطت التطبيع الكامل مع  إسرائيل بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، والأراضي التي ما زالت محتلة في جنوب لبنان، وبحلٍّ عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين يُتفق عليه، وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، وبالقبول بقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو (حزيران) في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتكون عاصمتها القدس الشرقية.

هذه الخطة التي تستلهم، على نحوٍ ما، مستشارَ الأمن القومي الأمريكي، ووزير الخارجية الأسبق، هنري كيسنجر، الذي انتهج ما عُرِف بسياسة الخطوة خطوة، إذ جاء في كتابه "سنوات التجديد: "لهذا السبب فإن مسار الخطوة خطوة سيجعل أولاً الرأي العام العالمي يعتاد على فكرة أن المشكلة معقدة للغاية، وثانياً سيشكل قناعة لدى الجميع بأن الحل معقَّد أيضاً، كما أنه سيساهم في خلق جوٍّ معين من شأنه دفع الدول (العربية) الأخرى للسعي لتحقيق الاستقرار بهدف التخلُّص من هذا الوضع، بدلاً من الاستمرار فيه على هذا الشكل تماماً بعد عام".

فالمسألة ليست ماذا نقبل من الخطة؟ وماذا نرفض؟ بقدر ما هي القبول بالإطاحة بكل الخطابات القانونية والسياسية التي قبلت بالحدِّ الأدنى من الحقوق الفلسطينية، وتنازلت عن كامل الحقوق في فلسطين كلِّها، والمسألة هي في الخضوع إلى هذه النظرة الأمريكية الصهيونية التي ترى لنفسها الحقَّ في إملاء أرضيات جديدة لطريق مفاوضاتٍ طويلة أيضاً، وغير مضمونة، كما سابقاتها، ولكن بعد التسليم بوقائع فادحة ومتسارعة على الأرض.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة