من حادثة "شارلي إيبدو" إلى حادثة "مسجد النور"

هل يستطيع القادة العرب أن يرفعوا هم الشعار كما رفعوا من قبلُ شعار "كلنا شارلي إيبدو"؟! المؤكد أنهم لن يستطيعوا؛ لأن تخصصهم إدانة للإسلام والمسلمين فقط.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LJA2Vp
الاثنين، 18-03-2019 الساعة 11:26

عندما تعرضت صحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة بباريس، في نحو الساعة الحادية عشرة صباحاً بتوقيت وسط أوروبا، في 7 يناير 2015م، لهجوم إرهابي، حيث اقتحم ملثمان مقر الصحيفة، وبدآ إطلاق النار من أسلحة كلاشينكوف وأدى هذا الهجوم إلى مقتل 12 شخصاً وإصابة 11 آخرين، من ضمنهم رئيس تحرير الصحيفة؛ وذلك انتقاماً من نشر هذه الصحيفة الأسبوعية الساخرة رسوماً كاريكاتورية مسيئة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث نشرت الصحيفة رسوماً كاريكاتورية سَيِّئَة ومثيرة للغاية مسيئة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في عددها الذي صدر يوم الأربعاء 19 سبتمبر 2012م، وصَوَّرَتِ فيها النبيّ -على حد زعم الرسّام- عارياً، إيغالاً في الاستهزاء- فإن قادة العالم كله نفروا خِماصاً وبِطاناً، وزحفوا على بطونهم إلى باريس، للمشاركة في مظاهرة "كلنا شارلي إيبدو"، وكان في طليعة المتظاهرين، قادة العالم الإسلامي، يسبقهم التأثر، محمود عباس "أبو مازن" الذي أخذ الرئيس الفرنسي بالأحضان؛ يوشك أن يهجش بالبكاء، كأن "ضحايا الحادث" معروفون له بشكل شخصي!

وقد كانت هذه الصحيفة قد نشرت رسوماً مماثلة في عام 2011م أيضاً؛ ولكن الصحيفة بعد الهجوم بدل أن تعتذر عن نشر هذه الرسوم المشينة التي أفسدت العلاقةَ بينها وبين العالم الإسلامي، ازدادت إيغالاً في انتقاد الإسلام وإثارة المسلمين بنشر الرسوم نفسها مُجدَّداً في عددها الذي صدر بعد الهجوم، بحجة أن ذلك هو حرية الرأي التي يتمسك بها الغرب كمبدأ ثابت من مبادئه الدستورية الحكومية.

وكَثَّفَت الصحيفة الإساءةَ إلى الرسول العربي -محمد صلى الله عليه وسلم- عَبْرَ توزيع أعدادها المحتوية على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وصَرَّحت بأن غرضها الوحيد من وراء نشرها هو انتقاد الإسلام، فاحتجّ المسلمون بفرنسا وفي البلاد المجاورة ضد موقف الصحيفة الاستفزازي غير الحضاري احتجاجاً صارخاً كاسحاً، حتى اضطُّرَت البلاد إلى اتخاذ تدابير أمنية إضافية حول مراكز حكومية وثقافية مهمة.

والجدير بالذكر أن فرنسا هي الدولة الوحيدة بين دول الاتحاد الأوربي التي يكثر فيها السكان المسلمون، الذين يُشَكِّلون نسبة 10% بين مجموع السكّان.

وما إن عَمَّ الخبرُ من خلال الصحف وسائل الإعلام حتى اشتدّت وتكاثرت واتصلت المظاهراتُ والاحتجاجاتُ والاستنكارات والتنديدات والاعتصامات في شتى أنحاء العالم، لا سيما في البلاد الإسلامية عموماً وفي باكستان خصوصاً، وتَسَلْسَلَ ذلك أياماً. وأَشَدُّ الاحتجاجات في هذا الصدد شَهِدْتها دولة نيجر، التي قام فيها المسلمون بمظاهرات احتجاجية عنيفة، وقد أُطْلِقَ الرصاصُ على المحتجين فيها؛ وهو ما أدى إلى مقتل كثيرين وإصابة كثيرين، وفي عدد من البلاد تعرضت البضائع الفرنسية لسخط المحتجين؛ حيث إن عدداً منها أعلن مقاطعةَ البضائع الفرنسية.

وعندما حدث هجوم المسجدين في نيوزيلندا، والذي راح ضحيته نحو 100 بين قتيل وجريح، فهل يمكننا أن ننتظر معاملة بالمثل؟ الجواب بكل تأكيد: لا، لا يمكننا أن نجد مثل معاملة "شارلي إيبدو"، لا من قِبل القادة العرب والمسلمين الذين كانوا في حالة تأثر بالغ في ذلك الحين، كأن الضحايا أقرباؤهم ومعرفون لهم! ولا من قِبل القادة الغربيين الذين شاركوا في تشييع جنازة ضحايا حادث "شارلي إيبدو"، في مظاهرة "كلنا شارلي إيبدو"، في حين أنهم يقتلون المسلمين في سائر العالم باسم مكافحة الإرهاب!

ولكن السؤال: لماذا لا نستطيع ألا نرجو مثل المعاملة في جريمة نيوزيلندا الإرهابية التي هزت العالم؟

والجواب: لأن الجناة في الحادث الأول اثنان من المسلمين، ولأن الضحايا من "السلالة النقية"، فقد كانت مناسبة عظيمة لاستغلال الحادث ضد الإسلام والمسلمين، وكانت فرصة عظيمة لقادة المسلمين مثل السيسي، أن يستخدموا الحادث ضد الإسلام والمسلمين، والحقيقة أنهم لم يتركوا الفرصة؛ بل استغلوها لتحقيق هدفهم، وإن هؤلاء القادة يحاولون دائماً مواصلة مقطوعتهم الموسيقية عن الإرهاب الذين يلصقونه بالإسلام، لدرجة اتهامهم عموم المسلمين بالإرهاب، حيث قال السيسي في خطاب له: "ليس معقولاً أن 1.6 مليار مسلم يقتلون العالم كله من أجل أن يعيشوا هم!".

رغم أن المسلمين هم المسحوقون في مشارق الأرض ومغاربها، فإنهم يوصمون بالإرهاب وبالتهديد الوجودي! ورغم سجل الغرب الهائل في الإجرام والدموية ومنتجاتهم المجنونة وغير المسبوقة في آلات التعذيب وأسلحة الدمار الشامل والحروب ذات عشرات الملايين من الضحايا، وقرون استعباد الشعوب وتصفية وامتصاص مواردها، فإنهم يُنسبون إلى الحرية والحضارة والرقي والتقدم! لا تتعجب؛ فمن طبائع الأمور في هذه الدنيا أن القوة تجعل جرائم صاحبها حسنات، والضعف يجعل حسنات صاحبه سيئات.

تحاسَب تركيا على مذبحة للأرمن، هي لو صدقت فلن تبلغ شيئاً في مذابح الغرب بتركيا أو بلادهم، ومع هذا لا تُنصب لهم المحاكم. كما تحاسَب "داعش" على مشاهد القتل والذبح التي لا تبلغ شيئاً مطلقاً أمام مذابح نظام عربي واحد. ويحاسَب مرسي على شاب قُتِل بالخطأ في عهده ويُصرخ في وجهه: "طول ما الدم المصري رخيص يسقط يسقط أي رئيس"، في حين أن صاحب الهتاف نفسَه يصفق لمذابح السيسي ويختلق لها المبررات! كثير من مواقف هؤلاء نفاق وكذب ومراوغة، لكن كثيراً أيضاً منها ليست كذلك، وإنما هي موازين قوة وضعف.

سفاح نيوزيلندا قتل المسلمين، لأنه يعتبرهم تهديداً وجودياً وينحاز إلى البِيض، مع أن البيض أنفسهم احتلوا هذه البلاد بعد إبادة أهلها، ومع أن المسلمين لم يأتوا إلى هذه البلاد إلا وفق القوانين التي وضعها البِيض أنفسهم، للاستعانة بهؤلاء الملوَّنين في بناء بلادهم!

لم يفكر السفاح الأبيض في أنه احتل هذه البلاد وأفنى أهلها، ولم يفكر في أن المسلمين لم يأتوا هذه البلاد محتلين، ولم يفكر في أنهم لم يكونوا تهديداً لأحد في نيوزيلندا ولا أوروبا؛ بل لم يفكر في أن مواجهة الزيادة الإسلامية مقابل النقص الأبيض يمكن حله ببساطة بقوانين تصدر من البرلمان الذي يهيمن عليه البِيض أصلاً، لتمنع المهاجرين وتضيّق عليهم في الإقامة والتنقل وحقوق العمل ونحوه.

كل عوامل القوة التي يحياها الرجل الأبيض لم تكفه ليكون راقياً متحضراً يتعامل بالقانون ضد ما يراه تهديداً. ولا كل عوامل الضعف التي يحياها المسلمون ولا حتى حياتهم المسالمة الطويلة في تلك البلاد دفعتهم لكي يراجعوا أنفسهم وأفكارهم ويتساءلون: هل هؤلاء فعلاً إرهابيون ويمثلون تهديداً؟! أبداً.. المسألة في النهاية راجعة لموازين القوة والضعف، نحن الأقوى.. إذن فنحن الأرقى، وإذن فلنا الحق في مواجهة التهديد الذي يمثله المتخلفون المتوحشون القادمون من العوالم الأخرى!

فإني وإن كنت أدين هذا الحادث المؤلم العنيف، وفي الوقت نفسه وبالقوة نفسها أدين جريمة "شارلي إيبدو" أيضاً، التي تمثل تجاوزاً لحرية الإبداع والتعبير إلى إهانة معتقدات الغير، وتكشف عن عنصرية مبتذلة، فإنني في الوقت ذاته لست معنيّاً بالاعتذار؛ فالجاني يعاقَب أو يعتذر، ولا يجوز أن يمتد أمر الاعتذار لكل مسلم، وإلى حد القول: "كلنا شارلي إيبدو"، ففي الحقيقة ليس كلنا "شارلي إيبدو"، ولا ينبغي لنا أن نكون.

ولكن القادة المسلمين في العالم الإسلامي كله وجدوا أنفسهم مطالَبين بالاعتذار، فاعتذروا وظنوا أنهم لا بد من أن يعتذروا فنفروا إلى باريس محلِّقين ومقصّرين، تسيطر عليهم "النحنحة"، وصار العالم الإسلامي كله في خجل، لأنه سبب تهديد أمن العالم، كأننا نحن الجناة!

ولكن الآن، هل العالم يعزّينا في قتلانا؟ وهل الغرب يجد نفسه مضطراً إلى الاعتذار لنا؟ وهل المؤسسات الدينية المسيحية ترى نفسها في وضع الخجول مما حدث؟ وهل يجد العالم نفسه مضطراً إلى أن يجعل من شعاره كلنا "مسجد النور"؟! وهل يستطيع القادة العرب أن يرفعوا هُم الشعار كما رفعوا من قبلُ شعار "كلنا شارلي إيبدو"؟! المؤكد أنهم لن يستطيعوا، لأن تخصصهم إدانة للإسلام والمسلمين فقط.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة