هل تشكل التحركات الأمريكية الأخيرة ملامح استراتيجية جديدة بالمنطقة؟

الجانب الأمريكي ترك الأمور ضبابية، وفق الكاتب.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/Le3vmn
الثلاثاء، 12-03-2019 الساعة 11:39

إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئ سحب قوات بلاده من سوريا، تسبب في خلط جميع الأوراق واختلال الموازين كافة، ليس بالساحة السورية وحدها، بل في منطقة الشرق الأوسط عموماً، حيث بدأت الدول المعنيَّة والقوى الدولية والإقليمية مرحلة إعادة الحسابات والتموضع بناء على المعطيات الأمريكية الجديدة.

لكن الطرف الأمريكي، فيما يبدو أنه بشكل متعمد، ترك الأمور ضبابية غير واضحة، سواء فيما يتعلق بالانسحاب حجماً وموعداً وجهةً وتوقيتاً، أو على صعيد تحديد الجهة التي سوف تملأ الفراغ الحاصل جراء هذا الانسحاب، وهو ما أثار موجة من القلق والتردد وغبش الرؤية لدى الجميع دون استثناء.

التصعيد الأمريكي ضد إيران

تزامن الإعلان الأمريكي عن الانسحاب من سوريا مع ثلاثة إعلانات لا تقل أهمية عنه. الأول هو التصدي للنفوذ الإيراني في سوريا وعموم المنطقة، والثاني إعلان نهاية داعش، والثالث إعلان حمزة بن لادن خليفة لأبيه في زعامة تنظيم القاعدة، ووضع واشنطن مكافأة مالية قدرها مليون دولار، لمن يسلمه أو يدل عليه.

إعلان نهاية داعش معناه في القاموس الأمريكي "إيجاد/ توليد خطر استراتيجي جديد"، كما أن إعلان حمزة بن لادن خليفة لأبيه في زعامة تنظيم القاعدة معناه أن دائرة الخطر الإرهابي القادم، في المنظور الأمريكي والغربي عموماً، ما زالت محصورة في إطار المسلمين السُّنة!

حتى اللحظة يبدو أن التصعيد الأخير ضد إيران، والتهديدات المستمرة والمتكررة لها من أعلى شخصيات في هرم السلطة الأمريكية، والتي لم تتعدَّ دائرة القول إلى الفعل، مرتبط بمصلحة "اسرائيل" بالدرجة الأولى، بهدف ابتزاز الدول العربية، والخليجية منها على وجه الخصوص، من أجل دفعها إلى قبول "صفقة القرن" التي يسوق لها جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب ومستشاره، والصديق المقرب من رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

قد يستفيد مؤقتاً من لعبة التجاذبات بين واشنطن وطهران، ما يسمى التيار المتشدد، أو الدولة الإيرانية "العميقة"، الذي يقوده مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، ومعه وزير الخارجية الأسبق علي أكبر ولايتي، وقائد العمليات العسكرية الخارجية في الحرس الثوري قاسم سليماني. لكن في جميع الأحوال، واشنطن لن تقع في فخ التصنيفات الإيرانية بين معتدل ومتشدد، ومحافظ وإصلاحي.

وتعيش الساحة السورية حالة من الاستعصاء والانسداد شبه التام على جميع الصعد، السياسية والعسكرية والميدانية والاقتصادية. فبينما يقف الأمريكي متحكماً في الموقف وممسكاً بزمام الأمور، يقف الجميع في الجهة المقابلة حذراً متوجساً يقظاً، خائفاً من الجميع.

إيران قلقة

الطرف الإيراني يسعى إلى التصعيد العسكري واستمرار المعارك في سوريا مهما كلف ذلك من ثمن، بهدف تخفيف الحصار والضغوط الأمريكية عليه.

الجيش الأمريكي ينشر نظام الدفاع الجوي والصاروخي الأكثر تقدماً "ثاد Thaad" في "إسرائيل" للمرة الأولى، و"البنتاغون" يعلن فوز شركة "لوكهيد مارتن" بعقد مرتبط بشراء السعودية المنظومة ذاتها، حيث كانت السعودية قد اتفقت في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، على شراء 44 منصة إطلاق "ثاد Thaad" وصواريخ ومعدات ذات صلة بالنظام من الولايات المتحدة، في صفقةٍ قيمتها 15 مليار دولار، من أجل الحصول على قدرات وتقنيات متطورة تمكّنها من إحباط أي هجوم صاروخي محتمل من خصمها الإقليمي، إيران.

القيادة الأمريكية في أوروبا قالت في بيان لها: إن "ثاد Thaad هو أكثر النظم الدفاعية الصاروخية والجوية المتكاملة تقدماً في العالم، حيث بإمكانها الرد بسرعة تفوق التوقعات على أي تهديد في أي مكان وفي أي وقت".

الإدارة الأمريكية تقول إن قرار النقل السريع لنظام "ثاد Thaad " -المصمم لاعتراض الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى- إلى "إسرائيل" قُصد به "إظهار التزام الولايات المتحدة المستمر دعم أمن (إسرائيل) الإقليمي". طبعاً الدعم هنا ضد إيران.

يضاف إلى ما سبق تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً لمليشيات "حركة النجباء" ضمن التنظيمات الإرهابية.

كما هو معلوم، فإن "حركة النجباء" أحد فصائل الحشد الشعبي، الجيش الموازي والداعم للجيش العراقي، والذي منحته الحكومة العراقية صفة رسمية، على الرغم من جميع الاعتراضات عليه، لكونه يتلقى تعليماته وأوامره من طهران.

القرارات والخطوات والحصار والعقوبات الأمريكية ضد إيران، رسائل واضحة إلى طهران: إما أن تذعن وتنصاع للتوقيع على اتفاق بالشروط الأمريكية، وإما أنها ستواجه الحصار الخانق.

طهران قلقة وخائفة، لأن جميع مكتسباتها في سوريا وبقية دول المنطقة قد تصبح في مهب الريح بأي لحظة، إذ من اليسير محاصرتها واتهامها باستخدام العنف والإرهاب، حيث مليشياتها لا تزال ترابط على الأرض السورية، وهذا ما بدأ الأمريكان يدندنون به بوتيرة منخفضة، لكنها قابلة للتصعيد.

تركيا قلقة

تركيا قلقة جداً، وتخشى من صفقة بين واشنطن وموسكو بخصوص منبج وشرقي الفرات. زيارات المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون سوريا، جيمس جيفري، المتكررة لأنقرة، والتطمينات التي يقدمها الأمريكان للطرف التركي، لا تبدو كافية لبناء الثقة، بعد كمٍّ كبير من الوعود الأمريكية التي لم تلتزمها واشنطن.

حتى هذه اللحظة لم يقدم الطرف الأمريكي أي سيناريو من شأنه إزالة مخاوف أنقرة حول مصير الأسلحة الثقيلة التي تم تسليمها لمليشيات "قسد". كما أنه لا يوجد اتفاق حول هوية وطبيعة وحجم القوات التي ستتولى مهمة حفظ الأمن في المنطقة الآمنة المزمع إنشاؤها بالشريط الحدودي بين تركيا وسوريا.

في أحدث تصريحاته بخصوص الانسحاب الأمريكي من سوريا، عبَّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عن هواجس بلاده، قائلاً: "يمكنهم (الأمريكان) أخذ أسلحتهم معهم إذا رغبوا، أو بيعها لنا، لكن عليهم ألا يمنحوها للإرهابيين".

يضيف الرئيس أردوغان: "‏يجب أن تكون المنطقة الآمنة في سوريا بعمق 30 كيلومتراً من الحدود مع تركيا، وبالتأكيد لا بد من أن تكون تحت سيطرتنا، كما أن تركيا لا يمكن أن توافق على منح السيطرة على هذه المنطقة لأي جهةٍ غيرها".

روسيا قلقة

حتى اللحظة ينظر الروس بعين الريبة إلى أي تقارب وتفاهم يتم بين واشنطن وأنقرة، فيقومون بدفع قوات النظام والمليشيات الايرانية وتحريضها على خرق اتفاق سوتشي، باستهداف إدلب وريفها وريف حلب الشمالي والبقية المشمولة باتفاق وقف التصعيد.

أكثر من ذلك، تطالب موسكو بأن تسلم واشنطن منطقة منبج وشرقي الفرات إلى نظام الأسد، وتبدي استعدادها لأداء دور في حفظ الأمن هناك، وهو الأمر الذي ترفضه أنقرة رفضاً قاطعاً، حيث يعني ذلك بالنسبة لها استمرار تهديد مليشيات "ب ي د/ ي ب ج" لأمنها الاستراتيجي.

جلب إيران لبشار الأسد إلى طهران على الطريقة الروسية الاستعلائية المهينة، والتي لم تُقم له أي اعتبار بوصفه رئيساً للجمهورية العربية السورية، رسالة واضحة إلى الروس تحديداً، بأن طهران هي من يملك قرار البتّ في مصير النظام السوري.

التجاذبات الروسية - الإيرانية في سوريا لم تعد بالحجم الذي يمكن تجاوزه أو تغطيته ببرقع التحالف الاستراتيجي بين الطرفين، خصوصاً بعد الاتفاق الأخير بين بوتين ونتنياهو.

روسيا قلقة أيضاً من اتفاق قد يحصل في أي لحظة بين واشنطن وطهران. على الرغم من جميع التجاذبات بين أمريكا وإيران، فإن الطرف الروسي يخشى من صفقة بينهما تأتي في الدقيقة الأخيرة من المباراة، رغم كل مظاهر التصعيد بين الطرفين.

خلاصة

تؤكد الأطراف الفاعلة في سوريا ضرورة الحل السياسي وحده، واستبعاد جميع ما سواه. لكن جميع هذه الأطراف تسعى في الوقت ذاته إلى زيادة مكاسبها الميدانية، باعتبار أن السيطرة الميدانية تنعكس طردياً على موقعها وأوراقها التفاوضية في المستقبل.

هذا التناقض إذا أضيف إليه الشك وغياب الثقة بين الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة بسوريا، فإن الحديث عن مسار سياسي في المستقبل القريب، أياً كانت صفته وطبيعته، سيبقى ضرباً من التفاؤل المفرط.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة