هل نشهد عودة للعواصم العربية الكبرى؟

العالم العربي اليوم بحاجة إلى مساحة لالتقاط أنفاسه ريثما يستعد للتغييرات الدولية الكبرى وللأزمات التي هي قادمة لا محالة.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/9D4Pzr
الاثنين، 31-05-2021 الساعة 20:51

 خلال العقدين الماضيين تفككت البنية الهشة أساساً للنظام السياسي العربي بشكل كبير، فمنذ احتلال العراق ومروراً بثورات الربيع العربي، وأخيراً الموجة الثانية منه، فقدت معظم العواصم العربية الكبرى توازنها، بغداد لم تتمكن حتى اليوم من استعادة سيادتها الداخلية والخارجية بالكامل، دمشق ما زالت تعيش وهم السلطة بعد أن أحرق نظامها البلاد وسلمها للقوى الأجنبية، وقس على ذلك الوضع السياسي في مصر والسودان وليبيا والجزائر، من حيث الجغرافيا السياسية، تمثل هذه الدول الكتل الكبرى العربية، ومعظمها- إذا لم تكن جميعها- فقدت مكانتها في قيادة القرار العربي.

لا يعني الكلام أعلاه أننا قبل عام 2003 كنا نشهد نظاماً عربياً مستقراً وقادراً على اتخاذ قراره بشكل مستقل، على العكس، العديد من الأزمات التي سبقت هذا التاريخ مثل غزو الكويت أثبتت أنه لا توجد منظومة عربية يعول عليها، ولكن الدول المحورية كانت لها أدوار تقليدية مهمة سواء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أو في إطار الخلافات العربية العربية، أو في التعامل مع الخصوم التقليديين في المنطقة أو الحلفاء الاستراتيجيين خارجها، وعلى الرغم من أن هذا التبعثر العربي مستمر، فإن الشهور الأخيرة، وخاصة خلال العدوان الإسرائيلي الأخير، أبدت لنا أن هناك محاولات لاستعادة بعض هذه الأدوار، وربما شيء من التوازن في التأثير الخارجي لبعض هذه الدول المحورية الغائبة.

في العراق مثلاً وعلى الرغم من استمرار ضعف الدولة المركزية هناك فإن حكومة الكاظمي استطاعت انتزاع بعض السيادة والقيام ببعض الأدوار الخارجية، مثل استضافة الحوار بين الرياض وطهران.

مصر وعلى الرغم من عدم إعلان تغيير في الموقف من حركة حماس وغزة لعبت دوراً مختلفاً خلال هذه الأزمة تضمن فتح المعبر والوعد بتقديم مساعدات، بل والدخول في وساطة علنية بين الطرفين، والسودان ينشط خارجياً في أزمة سد النهضة، ووزيرة خارجيته تخوض رحلات مكوكية لإعادة السودان إلى موقعه في السياسة الدولية بعد التحلل من قيد العقوبات الأمريكية، أما ليبيا فاليوم فيها حكومة وحدة وطنية لأول مرة منذ سنوات، وحتى سوريا بدأ يتلمس النظام فيها قبولاً لدى بعض الدول للتعامل معه بشكل لم يكن حاضراً منذ بدأت الثورة السورية.

إذا صح أن نسمي هذه التغيرات إعادة اتزان، فهي ليست بالضرورة إيجابية، بعض الأنظمة التي تستعيد اتزانها تمثل في جوهرها أساس المشكلة العربية، فلا يمكن النظر مثلاً لاستعادة نظام الأسد المتهالك أي أدوار أو حتى مجرد القبول الإقليمي به باعتباره تطوراً إيجابياً، وربما تكون هذه التغيرات مؤقتة ولكنها جديرة بالمتابعة، فقد نشهد خلال الفترة القادمة شكلاً جديداً للمنطقة بسببها، عودة بعض هؤلاء اللاعبين إلى أدوارهم التقليدية ولشغل المساحات التي تركوها منذ سنوات عدة ستعني تغير لعبة التوازن الإقليمي، سيمكن ذلك بعض الدول داخل المنطقة وخارجها من تنويع تحالفاتها وتعديل اصطفافها حسب تنامي قدرات هذه العاصمة أو تلك، وعلى كل حال يبقى هذا التقييم أولياً وبحاجة لدلالات أكثر على صدقيته خلال الفترة القادمة.

استقرار الدولة في العالم العربي هو بحد ذاته مطلب، صحيح أن المطلب الأسمى هو تحقيق الحكم الرشيد وكرامة المواطن وازدهاره ودعم قضايا الأمة الكبرى، إلا أن الاستقرار هو الطريق الوحيد إلى الإصلاح، فالاستمرار في المواجهة مع غياب أفق الحل لن يثمر إلا مزيداً من الانهيار، العالم العربي اليوم بحاجة إلى مساحة لالتقاط أنفاسه ريثما يستعد للتغييرات الدولية الكبرى وللأزمات التي هي قادمة لا محالة، ومع شديد الأسف أصبح مبلغ الآمال اليوم هو دقائق من الاستقرار قبل ساعات الفوضى.

المصدر: صحيفة الشرق القطرية

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة