ويسألونك عن الجيش الوطني والدولة الوطنية

لو أن قائد الجيش الجزائري الحالي قضى سنينه الأخيرة في تصفية رجال فرنسا –كما يُسَوَّق الآن- لما بقي بموقعه، لأن فرنسا لم تكن لتقف متفرجة عليه، وهو يُصَفِّي نفوذها بأهم وأخطر مؤسسة حكم في النظام السياسي.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LXWXMz
الخميس، 11-04-2019 الساعة 12:11

حاول "الإخوان" بمصر بعد نجاحهم في برلمان ما بعد الثورة، ضمن خططهم الإصلاحية، أن يتعرفوا على الخريطة الاقتصادية لمصر، بحيث تكون البداية لرسم السياسات الاقتصادية فيما بعد، وحجر الأساس في اتخاذ القرارات.

نظَّمَ أحدهم -كما أخبرني هو بنفسه- اجتماعاً دعا فيه عدداً من الوزراء السابقين والخبراء وأساتذة الجامعة والنافذين، ثم فوجئ هو نفسه بأن البلد ليست فيه خريطة اقتصادية، وقال له وزير سابق: "أنت تحاول فعل شيء لم يحدث من قبل، كان مبارك يحكم البلد بطريقة أن الوزارات دوائر فساد خاصة، بإمكان الوزير وفريقه أن يستفيدوا منها. لكن السياسات العامة لا تُؤخذ في الوزارة ولا مجلس الوزراء، وإنما تأتينا بها تعليمات رئاسية، ولا نعرف على وجه التحديد لماذا اتُّخذ هذا القرار ولا ما هي تأثيراته وأبعاده".

بعد هذا الاجتماع بشهور، والكلام لا يزال للقيادي الذي حدثني بهذا، فوجئ بطلب من رجال أعمال بدولة إسلامية يريدون الاستثمار في قطاع المحاجر، لأنهم يعملون بصناعات الرخام، فسألهم: وكيف عرفتم أن محاجر مصر بها هذه الأنواع التي تعملون فيها؟ قالوا: اشترينا المعلومات من مؤسسة أمريكية (تتاجر بالمعلومات)! (انتهى النقل عن القيادي الإخواني).

وكانت الخلاصة أن المؤسسات الأمريكية التي تتاجر بالمعلومات وتبيعها لديها خريطة مصر الاقتصادية التي ليست موجودة بالوزارات المصرية نفسها، وأن طبيعة الحكم في مصر كالصندوق الأسود لا يُعرف من يديره ولا من يتخذ قراراته.

في سياق آخر، كان نموذج الجزائر هو النموذج المثالي الذي ندلل به على أن نظام الحكم في بلادنا العربية صندوقٌ أسود مجهول، ذلك أن الجميع يعرفون أن بوتفليقة لا تسمح له صحته بأن يحكم، إذن فمن الذي يحكم؟ هنا تختلف وتضطرب الإجابات.. فبعضهم يُسَمِّي الحاكمين ترجيحاً وتوقُّعاً وظنوناً، وبعضهم يعترف بأن الإجابة مجهولة، وبعضهم يتوقع أن الذين يحكمون هم مجموعة وليس واحداً، ثم يقع الخلاف في تسمية هذه المجموعة بطبيعة الحال.

وهكذا، كان الشعب يعرف بنفسه أن رئيسه لا يحكم، ولكنه لا يعرف من يحكم.. والجميع يعرفون أن فرنسا وأمريكا تعرفان جيداً من يحكم! تلك هي الصورة النموذجية لحالة معاصرة من الاحتلال بالوكالة، والتي تمثلها الدولة العربية المعاصرة.

الغريب المثير للدهشة وللخوف أيضاً، أن لحظة الثورة المصرية وما بعدها -وهو ما يتكرر الآن بحذافيره في الحالة الجزائرية- تحفُل بالعارفين الذين يزعمون قدرتهم على رسم المشهد السياسي وتحديد مواقع أطرافه وأجنحته وتصوُّر النزاعات التي بينها. وأخطر هؤلاء من تنتهي خلاصاته إلى الثقة بالجيوش أو بالأجهزة الأمنية باعتبارها أجهزة وطنية، هؤلاء لا يخرج الظن فيهم عن احتمالين: أنهم إما "أدعياء" وإما "خبثاء".

من وجهة نظر علمية بحتة، فالدولة العربية المعاصرة ليست دولة بالمعنى المفهوم في كُتب العلوم السياسية، فهي ليست تعبيراً عن حقيقة طبيعية جغرافية ولا عن عِرق ولا عن دين، ولا هي نتيجة صراع داخلي بين شعوب هذه المنطقة أسفر عن اتفاقية مثل "وستفاليا" الأوروبية التي رسمت دُوَلَها استناداً لتقاسيم قومية وجغرافية.. بالعكس، دولنا المعاصرة هي خرائط رسمها الاحتلال الأجنبي بصراع النفوذ واتفاقيات التقسيم.

ولذلك يمكن أن توجد دولة لا تعبر حتى عن القبيلة، بل القبيلة أوسع منها، كما توجد شعوب تتقسم بين دول مختلفة، ومن ثَمَّ فمحاولات تفسير سياسات الدولة العربية المعاصرة وفقاً لما هو في كتب العلوم السياسية فاشلة بالضرورة، لأن الحالة التي تعالجها هذه الكتب لم توجد في واقعنا.

ومن وجهة نظر سياسية بحتة، فإن النظم التي تحكم هذه الدول لم تكن إفرازاً لهذه المجتمعات، بل كانت من مخلفات الاحتلال الأجنبي أيضاً، وأكثر الدول العربية المعاصرة تحكمها الأقليات، التي وصلت إلى هذه المواقع ضمن السياسة العامة للاحتلال بتمكين الأقليات، ولهذا فهي ليست تعبيراً صادقاً عن هذه الشعوب ولا لها انتماء حقيقي إلى هذه الأمة.

كما أنها محكومة باتفاقيات علنية وسرية تنظم التصرف في الموارد والثروات وتحتكر الخطوط العامة للسياسات، ومن ثَمَّ فتعريف "الدولة الفاشلة" أو الناجحة كما هو بكتب العلوم السياسية يعتبر تعريفاً معكوساً في نموذجنا العربي المعاصر، ويمكن مراجعة هذه النقطة هنا.

ولهذا فإن الذي يبدو مُحَيِّراً لأول وهلة يبدو طبيعياً جداً مع ملاحظة هذه الفروق، إذ إن اجتماع الدول العربية في اللغة والدين والثقافة والاتصال الجغرافي لم ينجح، كما هي طبيعة الأشياء، في صناعة أي نوع من التقارب فيما بينها، بل تأسست صيغ أصغر كالاتحاد المغاربي ومجلس دول التعاون الخليجي، ثم لم تفلح هذه الصيغ الأصغر أيضاً في صناعة أي نوع من التكتل! وقد كان يُقال عن حق: الاجتماعات الوحيدة التي تنجح عربياً هي اجتماعات وزراء الداخلية، فإلى أي شيء يشير هذا؟!

يشير إلى حقيقة أن هذه الدول تعمل ضد الشعوب، وهذه الحقيقة هي التي تفسر سائر وجوه التعاون والتقارب بينها.

هل هذا اكتشاف جديد؟!

في الواقع: لا، هذا أمر ظاهر للكافة إلا لأولئك الذين يتعاطون مخدرات الإعلام الرسمي الحكومي، أو يقتصرون في فهمهم للواقع على النظريات الأكاديمية التي تشرح حالة الدولة في صيغتها التي انبثقت عن "وستفاليا" وتطورت أوروبياً، (ومن نافلة القول، إن الثقافة التي نتعاطاها وندرسها هي بالضرورة غربية، لأن الغرب هو الذي احتلنا والذي لا يزال غالباً علينا عسكرياً؛ ومن ثَمَّ: ثقافياً)، بل هو أمر يُصَرِّح به ساسة وباحثون غربيون وباحثون عرب أيضاً، وإن كان العرب أقل بطبيعة الحال.

إن تكوين الدولة العربية المعاصرة في أساسه تكوين مُشَوَّه، بل ليس يُطلق عليها مصطلح الدولة القومية، لأن العرب لا يتجمعون في دولة واحدة، بل هي دول شبه قومية (subnation)، ولهذا ابْتُكِر لها مصطلح "الدولة الوطنية"، وهو مُصطلح لا يعبر عن معنى أو عن انتماء، لأن كل أرض -مهما صغرت- يمكن تسميتها بالوطن.

ولذلك فإن التحدي العظيم القاهر أمام الشعوب الثائرة يتمثل في أن هذه الدولة المعاصرة

أقرب إلى أن تكون إدارة استعمارية محروسة بحامية محلية تابعة للجيش الأجنبي، هذه هي الصورة التي يُفَسَّر بها سلوك الدولة المعاصرة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.

ومع أن هذه النُّظُم قد مَزَّقت العقد الاجتماعي الذي صاحب تأسيسها (الأمن مقابل الحرية، أو بعض الثروة مقابل الحرية، أو بعض الدين مقابل الحرية... إلخ)، إلا أن الشعوب لم تستطع بعدُ الخروج من سيطرتها؛ ذلك أن المعركة ليس مجرد معركة شعب ضد حاكم مستبد، بل هي معركة شعب ضد نظام قاهر متغول، ثم هي معركة شعب ضد الاحتلال الأجنبي الداعم له، فيجتمع فيها معنى الثورة السياسية والثورة الاجتماعية وحرب التحرير ضد المحتل.

حَفَّزَني إلى كتابة هذا كله دعوى تسري بين أهلنا في الجزائر عن الجيش الوطني الجزائري الذي أنشأته الثورة وليس الاحتلال الفرنسي، وعن الأجنحة الوطنية المخلصة التي تسعى الآن جاهدة إلى التخلص من رموز دولة بوتفليقة، وأن الجيش الجزائري ليس كالجيش المصري، والواقع أن هذا المشهد مشهد مصري خالص تكرر بالحرف قبل ثماني سنوات، فقد قيل عندنا:

- جيشنا ليس علمانياً ولا عقائدياً كالجيش التركي.

- جيشنا زاخر بالمتدينين، لأنه من عموم الشعب (فالتجنيد إجباري)، وليس مرتزقاً كالجيش الأمريكي.

- جيشنا لا تزال عقيدته القتالية ضد إسرائيل، ولكنه كجيش محترف لا ينفذ انقلابات عسكرية على القيادة السياسية كما فعلت الجيوش التركية والباكستانية والسورية.

بل المفارقة أنه قد قيل في جيشنا المصري ما يجعل الاطمئنان إليه أكثر من الاطمئنان إلى الجيش الجزائري، فقد قيل أيضاً:

- جيشنا بناه المصريون بعد يوليو ولم تبنِه فرنسا كالجيش الجزائري.

- جيشنا لم يرتكب مذبحة ضد الشعب كما فعل الجيش الجزائري في التسعينيات.

- جيشنا يتكلم العربية لا الفرنسية، وثقافته عربية إسلامية لا فرنسية غربية كالجيش الجزائري.

واستعمل كل طرفٍ ما في جعبته من المعلومات والظنون والأوهام لتسويق وطنية الجيش، وأن طنطاوي كان معارضاً لمبارك، فلان يستخرج وثيقة من ويكيليكس برفض طنطاوي اقتراحاً أمريكياً ما بشأن الحدود أو التسليح.. كِتاب كان يسبُّ الرئيس وكاد يُسحب من الأسواق، لكن طنطاوي مرَّره.. بل قال أحد الثوريين المعروفين: طنطاوي قد يكون مؤمن آل فرعون.. حديث عن زوجة طنطاوي المحجبة.. حديث عن طنطاوي وحفاظه على الصلاة.. وهكذا!

كلام وحقائق وإشاعات وخليط من الحكايات عن طنطاوي وقيادة الجيش، تصب كلها في أن الجيش وطني، وأنه فقط كان ينتظر لحظة خروج الشعب ليتحرك.. كلام تدفعه الرغبة في الانتقال السلس للسلطة بلا تكاليف ولا صِدام.. وتنتجه الحالة التي يبدو فيها العلمانيون (أنصار مبارك) ضد الجيش!

يجب ألا يغتر الجزائريون بالهجوم العلماني على الجيش الجزائري، فقد حدث هذا نفسه في مصر أيضاً، حتى ظن الإسلاميون أن قيادات الجيش متدينون ومخلصون، وكانت قيادات الجيش تدعم هذا التصور في اللقاءات الخاصة مع الإسلاميين، وتشتكي من العلمانيين الذين يريدون تحويل مصر إلى ليبرالية لا أخلاقية! في حين أن هذه القيادات نفسها تلبس الوجه الآخر في لقاءاتها مع العلمانيين، وتحذرهم من صعود الإسلاميين الذين سيأتون إلى البلد بالخراب، ويُغرونهم بالضغط لتطويل الفترة الانتقالية تحت الحكم العسكري.

لذلك كان العلمانيون في مصر يعيشون واحدة من أغرب التناقضات، فهم يهاجمون العسكر ويتهمونهم بصفقة سرية مع الإسلاميين لتسليمهم البلد، وفي الوقت نفسه يطالبون بتطويل الفترة الانتقالية تحت حكم العسكر، لأن الأحزاب "المدنية" غير مستعدة بعد!

لو أن قائد الجيش الحالي قضى سنينه الأخيرة في تصفية رجال فرنسا -كما يُسَوَّق الآن بالجزائر- لما بقي في موقعه، لأن فرنسا لم تكن لتقف متفرجة عليه، وهو يُصَفِّي نفوذها بأهم وأخطر مؤسسة حكم في النظام السياسي.

أعرف أن كثيراً مما قلته هذا معروف، ولكنها ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين..

كما أعرف أن أهلنا في الجزائر يعرفون أكثر من هذا بكثير بكثير بكثير، ولكن التيار العام يجرف العارف، على نحو ما جرف دريد بن الصمة وهو ينصح قومه فخالفوه، ثم تابَعهم، ثم قُتِلوا جميعاً، فترك قبل مقتله بيته الخالد:

أَمَرْتُهُمُ أَمْرِي بمُنْعَرَج اللِّوَى .. فَلَمْ يَسْتَبِينُوا النُّصحَ إلا ضُحَى الغَدِ

فلما عَصَوْني كنتُ منهم وقد أرى .. غَوَايَتَهم، أو أَنَّني غيرُ مُهْتَدِي

وهل أنا إلا من غَزِيَّة إن غَوَتْ .. غَوِيتُ، وإن تَرْشُدْ غَزِيَّةٌ أَرْشُدِ

 

[1] باحث في التاريخ، تويتر @melhamy

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة