إيران والتعايش مع العقوبات.. 40 عاماً من "اقتصاد الخنادق"

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/6nP8Yj

انتعش الاقتصاد الإيراني بٌعيد توقيع الاتفاق النووي

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 26-04-2019 الساعة 11:53

نادت الثورة الإسلامية في إيران منذ بدايتها بإرساء العدالة الاجتماعية وإزالة الفوارق في التنمية بين المدن والأرياف التي يقطنها غالبية الشعب، أهداف عبّر عنها فيما بعد دستور الجمهورية، الذي يرى كثير من الإيرانيين أنه تم التجاوز عليه اليوم بوضع الحرس الثوري يده على اقتصاد البلاد.

التوجه الإيراني نحو تصدير الثورة وتعزيز القدرات العسكرية جعل اقتصاد البلاد مكبّلاً بالعقوبات، منذ السنة الأولى للثورة وإلى حد اليوم، يخفّ طوق الحظر حيناً وما يلبث أن يلتف من جديد منذراً بفترة عصيبة أخرى من "اقتصاد الخنادق".

تاريخ عقوبات طويل

في نوفمبر من عام 1979، ورداً على اقتحام الطلبة الإيرانيين لمقر السفارة الأمريكية في طهران وأخذ الموظفين العاملين فيها رهائن، وقّع الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، القرار رقم 12170، الذي بموجبه جمّد ما قيمته 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية والذهب المودعة في البنوك، إضافة إلى عقارات في الخارج.

ولم تمر سنة حتى اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في 22 سبتمبر 1980، حرب طويلة دامية استنزفت اقتصاد البلدين الجارين، فرضت أثناءها الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتحديد سنة 1984، حظراً على تصدير السلاح لإيران، إضافة إلى منع تقديم القروض المالية للنظام الإيراني، وذلك بسبب علاقاته مع "حزب الله" المتهم حينها بتنفيذ تفجيرات بيروت، في أكتوبر 1983، ضد قوات المارينز الأمريكية.

وفي سنة 1995، فرضت الحكومة الأمريكية حظراً نفطياً على إيران ما لبثت أن أرفقته بحظر اقتصادي يمنع أي تبادل تجاري مع إيران، وصدر في سنة 1996 قانون أماتو- كينيدي، الذي يحظر على أي شركة أجنبية استثمار أكثر من 20 مليون دولار في قطاع النفط الإيراني.

مع وصول محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة سنة 2005، وإحيائه للبرنامج النووي الإيراني، زادت الولايات المتحدة من تضييقها على البنوك الأمريكية التي تتعامل مع إيران، تبعها إصدار مجلس الأمن القرار 1737 الذي يفرض عقوبات ضد إيران لإجبارها على وقف برنامجها لتخصيب اليورانيوم.

ومع توقيع الاتفاق النووي بين إيران والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن زائد ألمانيا، في فيينا في 14 يوليو 2015، وُقّع تخفيف الحظر المفروض من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي على إيران، ورفع التجميد عن الأصول المالية لإيران، كما رفع الحظر عن تجارة النفط الإيراني.

اقتصاد في حالة طوارئ دائمة

وفي سياق كالذي استعرضه "الخليج أونلاين"، لم يكن بمقدور الاقتصاد الإيراني الخروج من حالة الطوارئ الدائمة، فالسياسة الاقتصادية للنظام الإيراني اعتمدت أساساً على مناهضة الليبرالية بشدة، وكرّست مركزية الدولة التي ظلت تتحكم في قطاعات واسعة من الاقتصاد عبر تأميم معظم البنوك والشركات العاملة في القطاعات الاستراتيجية، ما قلص من أهمية الاستثمار في القطاع الخاص.

ومن المآخذ على الاقتصاد الإيراني اعتماده الكبير على مداخيل تصدير النفط، الشيء الذي شجع على السياسة الاستهلاكية بدل الإنتاج، واستسهال استيراد السلع بدل إنتاجها محلياً. كما أن أسعار استهلاك الطاقة في إيران تعد من بين الأقل عالمياً باعتبارها دولة منتجة للمحروقات، مع ما يكلفه ذلك لخزينة الدولة.

إلى ذلك كان على الاقتصاد الإيراني مواجهة الانفجار السكاني الذي نتج عن السياسة الديموغرافية التي نادى بها الخميني في بداية الثورة، والتي قامت على التشجيع على الزيادة في عدد الولادات، بالإقناع الديني والحوافز المالية؛ والنتيجة كانت تضاعف عدد السكان من 39 مليون نسمة سنة 1980 إلى 82 مليون نسمة سنة 2018.

ومع هذا يحسب للنظام الإيراني تطبيق معظم أهداف الثورة الإسلامية في المناطق الريفية؛ عبر تنفيذ مشاريع بنية تحتية جعلت المناطق المهمشة تتوفر على الخدمات الأساسية من ماء صالح للشرب وكهرباء، إضافة إلى بناء المدارس والمستشفيات، ما رفع من مستوى المعيشة لدى الطبقات الضعيفة، وخفض من نسبة الفقر إلى 9% فقط سنة 2013، بحسب أرقام البنك الدولي، بعد أن كانت تقدّر بحدود 25% في ستينيات القرن الماضي.

اقتصاد المقاومة

وتتبع إيران استراتيجية لتخفيف الأضرار على اقتصادها أمام العقوبات تعتمد أساساً على ما اصطلح على تسميته بـ"اقتصاد المقاومة" أو "اقتصاد الخنادق"، وهو مفهوم سنّه مرشد الثورة علي خامنئي، سنة 2012؛ كرد فعل على العقوبات الغربية.

وبحسب هذا المفهوم على إيران الاعتماد على قدراتها الذاتية لتتمكن من مقاومة الضغوطات الخارجية بالتركيز على الإنتاج المحلي بدل التوريد، وإرساء أنظمة تبادل تجاري تقوم على تبادل البضائع بدل استعمال العملة النقدية، والعودة إلى البحث عن دول تقوم بدور طرف ثالث تجاري لتجنب العزلة المالية.

وفي 2012، ومع فرض دول الاتحاد الأوروبي حظراً نفطياً على إيران، خسر الناتج الإجمالي نقطتين كاملتين وانخفض تصدير النفط بمليون برميل يومياً. إذ إنّ النتائج كانت وخيمة على الريال الإيراني، الذي انخفضت قيمته لـ70% في منتصف 2013، كما ارتفعت نسبة البطالة إلى 14%، واشتعلت أسعار السلع الأساسية.

كلفة التدخل الإيراني في سوريا

وقدرت الأمم المتحدة متوسط إنفاق إيران في سوريا منذ 2012 بـ6 مليارات دولار سنوياً على مدى 6 سنوات من الحرب السورية، أي إنها دفعت للنظام السوري 36 مليار دولار، بحسب تصريحات نقلتها شبكة "بي بي سي" عن جيسي شاهين، المتحدثة باسم ستيفان دي مستورا، المبعوث الدولي السابق إلى سوريا.

وأرسلت إيران الآلاف من جنودها للقتال إلى جانب النظام السوري في الحرب الأهلية، إضافة إلى تسليح وتمويل عشرات المليشيات الشيعية المشكلة من العراقيين والأفغان، والتي قاتلت أيضاً في سوريا إلى جانب النظام ضد المعارضة، وقدّرتها المصادر بأكثر من 80 ألف مقاتل تدفع إيران رواتبهم الشهرية.

أما حزب الله اللبناني فقد شارك في الحرب السورية بأكثر من 8000 مقاتل، حسبما نشرت صحيفة فيلت الألمانية، في أغسطس الماضي، تكفلت إيران بتسليحهم ودفع رواتبهم.

وإن كان هناك من المراقبين من يرى أن ما أنفقته إيران في سوريا إنّما هو قروض؛ على الحكومة السورية تسديدها من خلال استيراد السلع الإيرانية وإسناد مشاريع إعادة الإعمار إلى الشركات الإيرانية، فإن قطاعات من الشعب الإيراني ضاقت ذرعاً بما رأته تبديداً للأموال الإيرانية بدل إنفاقها على الشعب الإيراني الذي يعاني صعوبة المعيشة وغلاء الأسعار، فكانت الاحتجاجات العارمة التي شهدتها عدة مدن إيرانية، في نهاية 2017 وبداية 2018، رغم أنها لم تشكل خطراً يذكر على استقرار النظام السياسي.

آثار العقوبات الأخيرة

وكان وصول دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية نذير عودة للمصاعب الإيرانية؛ ففي شهر مايو 2018 أعلنت إدارة ترامب انسحابها من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، وتشديدها تدريجياً في أجلٍ من 90 إلى 180 يوماً.

وفي مارس المنصرم، خرج المرشد الأعلى للثورة، علي خامنئي، في خطاب متلفز بمناسبة بداية السنة الإيرانية قال فيه: إنّ "الاقتصاد هو المشكل الأكثر جدية والأكثر استعجالاً وأهمية في البلاد"، معتبراً أن زيادة الإنتاج هو مفتاح الحل بعد الصعوبات التي عرفها في الأشهر الأخيرة بعد عودة العقوبات الأمريكية، حيث أعلن صندوق النقد الدولي دخول الاقتصاد الإيراني رسمياً في حالة ركود، متوقعاً انخفاضاً في الناتج المحلي الإجمالي في 2019 يقدر بـ3.6%.

حتى قطاع السياحة الذي شهد انتعاشة بعد توقيع الاتفاق النووي تجسدت في دخول 5.5 مليون سائح إلى إيران سنة 2017، شهد هذه السنة انهياراً بمعدل 50% بعدد السياح، خصوصاً بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي وإعادة تشديد العقوبات، حيث أغلقت السلطات الأمريكية مواقع الحجز للوجهة الإيرانية عبر الإنترنت، مغلقة معه متنفساً آخر كان بإمكانه ضخ العملة الصعبة في رئتي الاقتصاد الإيراني.

ومع دخول العقوبات الأمريكية مرحلتها الثانية، في بداية مايو القادم؛ بتسليط "عقوبات أخرى" على كل الدول التي تشتري النفط الإيراني حتى التي كانت معفاة منها، يرمي الأمريكيون إلى بلوغ غاية "صفر تصدير للنفط الإيراني"، كما أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، ما يعني حرمان إيران من أهم مورد يوفر 40% من الناتج المحلي الإجمالي.

هذا ومن أولويات النظام الإيراني الآن تقوية الصادرات غير النفطية عبر موانئ باكستان وعُمان وقطر والبصرة، أما اعتماد طرف ثالث تجاري عبر الإمارات العربية المتحدة فلم يعد ممكناً بعد وقوف حكومة الإمارات مع العقوبات الأمريكية.

الإقتصاد الإيراني

من جانب آخر ستضطر الحكومة إلى زيادة الدعم الحكومي لمحاولة السيطرة على مؤشر التضخم؛ توقياً لخطر الاحتجاجات الشعبية الآن.

ولا يعول الإيرانيون في هذه المرحلة على الموقف الأوروبي وآلية التبادل البديلة "Instex" التي تقتصر على اقتناء الدواء والغذاء والمواد الزراعية، وهي قطاعات لا تشملها أصلاً العقوبات الأمريكية.  

قدرة إيران على التحمل ستعتمد في الأشهر القادمة أساساً على الاحتفاظ بمعدل تصدير مقبول إلى الدول الآسيوية الموردة الرئيسية للنفط الإيراني؛ "الصين، وتركيا والهند".

من جهتها رفضت كل من الصين وتركيا إعلان ترامب، وجددتا رفضهما للعقوبات الأمريكية من جانب واحد.

لكن بعد الأقوال من الأفضل انتظار الأفعال للوقوف على الاستعداد الفعلي للدولتين على توتير العلاقات مع واشنطن، في حين أنّ الهند، ثاني مشترٍ للنفط الإيراني، شرعت فعلاً في تخفيض اعتمادها على النفط  الإيراني في المدة الأخيرة.

وعبر اتباع سياسة "الصبر الاستراتيجي"، تأمل إيران في بقاء اقتصادها على قيد الحياة فترة من الزمن إلى حين وصول رئيس جديد إلى البيت الأبيض قادر على استيعاب فكرة أن الضغط الشديد على الاقتصاد للوصول إلى هدف تغيير النظام السياسي قلما كان فعالاً في التاريخ، على الأقل في إيران، حيث لم تثبت نجاعته أبداً.

مكة المكرمة