الاعتصامات النفطية في ليبيا.. تهدد الاقتصاد بخسائر طويلة الأمد

تجاهد ليبيا لإعادة إنتاجها النفطي إلى مستوى ما قبل عام 2011

تجاهد ليبيا لإعادة إنتاجها النفطي إلى مستوى ما قبل عام 2011

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 29-08-2017 الساعة 22:36


تنتشر ظاهرة إغلاق المرافق النفطية لأجل مطالب سياسية أو اجتماعية بكثرة في ليبيا منذ عام 2013؛ حيث عمد معتصمون في منشآت نفطية شرقي البلاد إلى إغلاقها، في يوليو الماضي، لتمتد عدوى الاعتصامات النفطية المسلحة.

وتشمل أغلبَ آبار النفط والموانئ والمصافي؛ كضغط من المليشيات على الحكومة في طرابلس، هذا النوع من الاحتجاج جعل قطاع النفط والغاز، ومن خلفه الاقتصاد، هو الخاسر الأكبر في لعبة المطالب الفئوية، وغياب الدولة التي من المفترض أن تحتكر استعمال السلاح.

آخر التقارير عن تعطيل المليشيات لقطاع النفط أتى من حقل الشرارة النفطي (أكبر حقول النفط في ليبيا) حيث عمدت إحدى المجموعات المسلحة إلى إغلاق أنبوبي نفط يمران قرب مدينة الزنتان للمطالبة بمد المدينة بمزيد من الوقود، وتحسين أوضاعها الاقتصادية، وهو ما دفع بالمؤسسة الليبية للنفط إلى إعلان حالة "القوة القاهرة".

- الطموحات والعراقيل

تجاهد ليبيا لإعادة إنتاجها النفطي إلى مستوى ما قبل عام 2011، أي نحو 1.5 مليون برميل يومياً، وهو رقم لم تستطع المؤسسة الليبية للنفط الاقتراب منه، وإن تخطت حاجز المليون برميل منتصف السنة الحالية، بعد أن كان الطموح بعد الثورة الوصول إلى معدل إنتاج 3 ملايين برميل يومياً، ولكنه أصبح بعيداً جداً الآن.

قبل اندلاع الثورة الليبية كان النفط يدر على البلاد نحو 60% من الميزانية العامة، ونحو 94% من عائدات البلاد من العملات الصعبة.

لكن حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، وانخفاض أسعار النفط العالمية، أديا إلى انخفاض كبير في مدخول ليبيا من النفط، لتهبط العائدات النفطية للبلاد من 45 مليار دولار عام 2012 إلى نحو 5 مليارات دولار فقط عام 2016، وهو ما زاد معدلات التضخم بمستويات قياسية، لتقفز من 9.5% عام 2011 إلى 24% عام 2016.

اقرأ أيضاً:

40 % من ضحايا "11 سبتمبر" مجهولون.. ما حقيقة أعداد القتلى؟

وفي اقتصاد ريعي كالاقتصاد الليبي، ومع ضعف القطاعات الإنتاجية الأخرى، فإن استعادة الإنتاج الطبيعي للنفط ضرورة قصوى لتحقيق الاستقرار المجتمعي والاقتصادي في البلاد، حيث تحظى أجور القطاع العام بالنسبة الكبرى من الناتج القومي، إذ لامست عام 2015 الـ60% من حجم الناتج الوطني الليبي.

وهذه النسبة عالية، وتعزز من عجز الميزانية الحكومية، وذلك ما دفع بالحكومات المتعاقبة إلى مزيد من الإجراءات التقشفية التي أتت على حساب المشاريع التنموية، وأجور موظفي القطاع العام.

وهنا يقول وكيل وزارة الاقتصاد سابقاً والمستشار الاقتصادي لديوان المحاسبة الليبي حالياً، علي محجوب، لموقع "الخليج أونلاين"، إن الحكومات الليبية المتعاقبة أيضاً لم تستطع أن تضع أي سياسة اقتصادية قريبة أو حتى طويلة الأجل، بسبب الإغلاقات المتكررة للموانئ والحقول النفطية، ولا سيما في ظل خسارة الزبائن الدوليين، وضياع الحصة الليبية في السوق النفطية العالمية شديدة المنافسة.

- موت الآبار

الأضرار التي لحقت بالقطاع النفطي نتيجة الاعتصامات والمعارك ليست آنية، بل إن قطاع النفط واجه مخاطر مستدامة تكمن في موت عدد من الآبار.

وموت بئر النفط مصطلح يرمز إلى تسرب كميات النفط من الحقل الحالي إلى حقول أخرى قد تكون مجهولة أو باهظة ثمن الاستخراج، وغالباً ما تحدث هذه الحالات بسبب توقف إنتاج النفط من البئر مدة طويلة، وقد أعلنت المؤسسة الليبية للنفط موت عدد من الآبار تباعاً منذ بدء الاحتجاجات النفطية في البلاد.

ويضيف محجوب لـ "الخليج أونلاين"، أن الخسارة لم تقتصر على قلة الإنتاج، أو خسارة الحصة في السوق العالمية، بل تتعداها إلى الكلفة المرتفعة لإعادة إنتاج الحقول التي أُغلِقت، وكذلك إعادة الصيانة.

وهذا الأمر في غاية الصعوبة بعدما تركت كل الشركات الاستثمارية في قطاع النفط السوق الليبية بسبب الوضع الأمني في البلاد.

غير أنه حتى لو استعادت ليبيا حصتها السابقة من الإنتاج النفطي العالمي، فإن هذا لن يؤدي إلى عودة القدرة الاقتصادية للنفط في ليبيا إلى عهده السابق، على الأقل في المدى المنظور، حيث تشير التقديرات إلى احتمالية استقرار سعر النفط عند معدل 50 دولاراً للبرميل، وهو أقل بكثير من معدل الأسعار السابق، ما يجعل الانتقال نحو الاقتصاد الإنتاجي ضرورة قصوى في ليبيا.

ولإنقاذ قطاع النفط من سيطرة المليشيات تحتاج الحكومة في طرابلس إلى إعادة توحيد المؤسسات الليبية للنفط، التي انقسمت على نفسها عام 2014 بفعل الانقسام السياسي المؤسسي الذي حصل ذلك العام، وتمر هذه الضرورة بكثير من الصعوبات والشد والجذب، إذ عمد البرلمان المنعقد في طبرق (غير المعترف به دولياً) إلى إلغاء اتفاقية توحيد شطري الشركة بعد سيطرة قواته على منطقة الهلال النفطي شرقي البلاد.

لذا فإن حكومة طرابلس تحتاج إلى فرض سلطتها السياسية والعسكرية على مجمل الأراضي الليبية، وتفكيك المليشيات، أو كبح جماحها على الأقل، وهو تحد بالغ الصعوبة مع استمرار الانقسام السياسي الحاد في البلاد، وعدم وجود مؤسسات حقيقية يمكن البناء عليها لاستعادة الدولة.

- الآثار والنتائج

بطبيعة الحال فإن لكل مشكلة انعكاسات، ولا سيما مشكلة كأزمة انخفاض أسعار النفط وقلة الإنتاج في بلد مثل ليبيا لا يعتمد إلا على النفط كدخل له، وبالفعل فإن الآثار السلبية واضحة في كل القطاعات الاقتصادية للدولة، في ظل انخفاض الموارد المالية.

من تلك النتائج قلة السيولة وشحها، وانقطاع الرواتب منذ أشهر في كل القطاعات الحكومية، وكذلك شح العملة الأجنبية، وانخفاض العملة المحلية (الدينار الليبي) أمام الدولار إلى مستويات قياسية، وما نتج عن ذلك من ارتفاع في الأسعار، وقلة في المنتجات المستوردة، ووقف تمويل كل المشاريع الخدماتية، ولا سيما تلك التي لها علاقة بالبنية التحتية، ما أثر على المواطن بصورة مباشرة.

وللمستشار الاقتصادي لديوان المحاسبة الليبي كلام في غاية الأهمية حيث يقول: إن ليبيا لم تستخدم الإيرادات النفطية في تأسيس بنية تحتية جاذبة للاستثمار الخارجي في بقية القطاعات، كالطاقة والثروة السمكية والسياحة والصناعة والتجارة والخدمات واستخراج المعادن الأخرى الموجودة في البلاد.

ومن ثم- يضيف محجوب- فإن إغلاق الموانئ النفطية بعد الثورة عندما كانت أسعار النفط مرتفعة، خلق خسائر بقيمة 160 مليار دولار، ما دفع الحكومة لتغطية مصاريفها من الاحتياط النقدي الاستراتيجي، وفقدت العملة الأجنبية التي تستخدم في استيراد 99% من حاجات البلاد من الخارج.

وهنا يضع محجوب اللوم على الأطراف السياسية الليبية والدولية، فمشكلة إغلاق المليشيات للموانئ النفطية- بحسب رأيه- لها علاقات بالخلافات السياسية والانقسام داخل البلاد، أكثر منه للمطالبة بمستحقات مادية، وخاصة في ظل عدم محاسبة من يغلق تلك الموانئ، بل على العكس يتم دعوته في المفاوضات والنقاشات وبحضور ودعوة أممية أحياناً.

مكة المكرمة