التهريب في تونس.. إضعاف لاقتصاد الدولة وسط غياب للحلول

Linkedin
whatsapp
السبت، 19-08-2017 الساعة 15:42


على الرغم من مساعي الحكومة التونسية لقلع جذور ظاهرة التهريب عبر طرق مشروعة مختلفة، خاصة على الحدود مع ليبيا، فإن من يسمّون نفسهم "الكناترية" يواصلون عملهم، موقعين خسائر في البلاد تقدّر بنصف مليار دولار سنوياً.

وفي أعقاب الرابع عشر من يناير 2011، شهدت تونس انفلاتاً أمنيّاً كبيراً ساهم في ظهور شبكات تهريب جديدة، تديرها مجموعات خارجة عن القانون، تتحكّم من خلالها في منافذ غير شرعية لإدخال السلع وإخراجها من البلاد.

وقد أظهرت دراسات أعدّتها جمعيات ومؤسسات أمنية تونسية، تنامي شبكات التهريب ونجاحها في اختراق قطاعات حساسة داخل البلاد كوزارتي الداخلية والمالية.

على الحدود التونسية المشتركة مع ليبيا والجزائر، ينشط مئات صغار المهرّبين المتخصصين في تهريب المواد الغذائية والسجائر والبنزين والآلات الإلكترونية والكهربائية بأنواعها، مقابل بعض المواد الاستهلاكية التي تنفق الدولة مبالغ طائلة لتخفيض أسعارها حتى تكون في متناول الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.

في 23 من مايو 2017، بدأ رئيس الحكومة التونسية، يوسف الشاهد، حربه على الفساد بإيقاف رجال أعمال ومهرّبين، ووضعهم تحت الإقامة الجبرية، مؤكداً أنه "لا خيارات أخرى بهذا الشأن، وأن إجراءات الحكومة هي من أجل تونس".

فئة من أولئك الشباب التونسي الذين يعيشون ظروفاً معيشية صعبة، ونظراً لانعدام التنمية وتفشّي التهميش، وانتشار البطالة في صفوفهم (منهم جامعيون)، لجؤوا إلى التهريب كوسيلة للهروب من ضنك العيش.

"باشر" شاب تونسي ثلاثيني، يقطن منطقة "ماجل بلعباس" التابعة لمحافظة القصرين الحدودية مع الجزائر، حاصل على شهادة جامعية في الاقتصاد، لكنّ سوق العمل الكاسد لم يمنحه فرصة، فاضطر إلى الانتقال إلى الحدود لممارسة التهريب.

يقول باشر في حديث لـ"الخليج أونلاين"، إن العاملين في هذا القطاع يتعرضون لابتزازات كثيرة، لكنه يبرر عمله بانعدام الفرص، وصعوبة المعيشة، على الرغم من المخاطر والصعوبات التي تشوب العمل في هذا القطاع.

ويضيف الشاب التونسي الجامعي القول، إن تركه هذا العمل مرهون بحصوله على وظيفة في مجال دراسته.

اقرأ أيضاً :

غسل الأموال.. جريمة مستفحلة تنخر جسد الاقتصاد التونسي

- مطالبة بفرص عمل

بدوره، يؤكد فيصل، وهو مهرّب في أواسط العقد الثالث من العمر، أن العمل الوحيد الذي يوفّر له دخلاً لا بأس به في مدينته "ماجل بلعباس" هو التهريب، مشيراً إلى أنه يقطع الطريق ويدفع الرشوة لتسهيل عمله.

ويزيد فيصل، بحديثه لمراسل "الخليج أونلاين"، بالقول: "الكناترية هي السّاس (الأساس)"، كما يطالب الدولة التونسية بتوفير فرص عمل لفئة الشباب المتعطّلة، كوسيلة للحد من التهريب.

وعلى الرغم من خطورة الظاهرة، وأهمية إيجاد حل لها، فإن الإعلام التونسي لم يولِها اهتماماً، على عكس الإعلام الأجنبي، فالصحفية التونسية مريم الناصري، اختارت التحقيق في الموضوع لصالح قناة "دويتشيه فيله" الألمانية، استغرق منها عاماً كاملاً، وحين بثه في 21 شهر يونيو الماضي أثار ضجّة في البلاد.

تقول الناصري لـ"الخليج أونلاين" إنها تعمل في الصحافة الاستقصائية منذ ثلاث سنوات، وتشتغل على عدة مواضيع متزامنة، كان من بينها موضوع التهريب الذي يبدو للبعض أنه مستهلَك، لكنها اختارت العمل عليه بعد إنشاء الساتر الترابي على الحدود التونسية الليبية.

وتضيف بأن عملها على هذا التحقيق كان لإثبات أن التهريب ما زال قائماً، وأن الساتر لم يكن حلاً للقضاء على هذه الظاهرة، مشيرةً إلى أن الحل يكمن في "جهاز أمني قوي مع رقابة مستمرة ومدى تطبيق القانون في هذا الشأن".

وعن النتيجة التي توصّلت إليها بتحقيقها الذي أنجزته تحت عنوان "الساتر"، أكدت الصحفية التونسية أن "التهريب لم ينته ولن ينتهي ما لم تتخذ الدولة الإجراءات الكافية لمنعه، كما أن الساتر الذي أنجز وكبّد الدولة خسائر مالية كبيرة لم يمنع المهربين من اختراقه".

وتشير الناصري إلى أن كل المهرّبين الذين قابلتهم أكدوا لها أن "هناك تواطئاً من الجانب الأمني بتلقي الرشوة مقابل تسهيل مرورهم بالبضائع المهربة".

وفي وصفها المهربين شدّدت على أنه "لا يمكن وصفهم بالمجرمين بمعنى الإجرام، بل إنهم خارجون عن القانون ويقومون بتجارة غير قانونية تكبد الدولة خسائر كبيرة".

وتستدرك الناصري بالقول: "لكن لا يمكن أيضاً وصفهم بغير الوطنيين؛ لأن أغلبهم يجهل الخسائر التي يكبّدها التهريب للدولة، على اعتبار أنه يشتري بضاعته بماله ويبيعها مقابل ربح بسيط، كما يقول أغلبهم".

وفي ختام حديثها لـ"الخليج أونلاين" أكدت معدّة التحقيق أن الحلول المثلى لإيقاف الظاهرة تتمثّل في "تحقيق التنمية والتشغيل والعدالة الاجتماعية على المناطق الحدودية، وإنشاء منطقة حرة مع ليبيا لخلق نشاط تجاري قانوني".

اقرأ أيضاً :

"نيويورك تايمز": تونس على أعتاب ثورة ثانية بسبب بطالة الشباب

- ظاهرة متبخرة

من جانبه انتقد الخبير الاقتصادي التونسي، مراد الحطّاب، قلّة الدراسات العلميّة المُنجَزة حول ظاهرة التهريب في تونس، وانعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على الاقتصاد المحلّي، مشيراً إلى أنه "ظاهرة متبخّرة من الصعب قياسها؛ نظراً لعدم وضوح مفهومها والحيثيات التي تحيطها".

الحطّاب يوضح لـ"الخليج أونلاين" أن التأثيرات المباشرة لظاهرة التهريب على موارد الدولة تتلخّص أساساً في المجالين "الجبائي"؛ من خلال إضعاف موارد الدولة ونفقاتها وهو ما يؤثر على قدرتها على التنمية، والاجتماعي؛ حيث يسهم المهرّبون في إضعاف المؤسسات الصناعية المحليّة ومن ثمّ إغلاقها.

ورأى الخبير الاقتصادي التونسي أن الحلول الأساسية لمعالجة الظاهرة تكمن في مكافحة الجرائم المالية، ومراقبة مسارات الموادّ المدعومة من خلال اتّباع إجراءات تقنيّة ممكنة، إضافة إلى إيجاد حلول جذريّة للحدّ من ظاهرة البطالة وإدماج المهرّبين وتشغيلهم.

مكة المكرمة