السعودية وبرامج دعم المواطن.. فشل اقتصادي أم بطالة مقنعة؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/6Zar4n

دفعت زيادة الأسعار إلى التحذير من آثار القرار على قدرة المستهلك الشرائية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 07-04-2019 الساعة 13:30

منذ تسلمه ولاية العهد في السعودية سعى الأمير محمد بن سلمان جاهداً في تسويق نفسه محلياً ودولياً على أنه المنقذ لبلاده على كل المستويات، والقادر على إحداث نقلات اقتصادية نوعية في تنويع اقتصاد بلاده من خلال رؤية 2030، لكن يبدو أن التحديات تسير خلافاً لتوقعاته وخططه، لا سيما تفاقم ظاهرة البطالة المقنعة رغم إطلاق برامج الدعم للمواطنين.

فالمتابع لتفاصيل خطط السعودية وبرامجها و"رؤية 2030" بالإضافة إلى مشاريع دعم المواطنين المعلنة منذ العام 2015، منها "حافز" و"هدف" و"حساب المواطن"، يرى بوضوح أن هذه الخطط ليست أكثر من عملية تدوير للأموال؛ الحكومة زادت نسبة الضرائب على المواطنين، في حين يقوم المواطن بدفع الضرائب للحكومة بعد الحصول على أموال الدعم التي تقدمها الحكومة، في وقت يحثُّ الاقتصاد المحلي خطاه نحو التراجع سنوياً.

ففي العام 2017 بلغت قيمة المبالغ المالية التي وجهتها المملكة للمواطنين المحتاجين إلى دعم 25 مليار ريال (نحو 7 مليارات دولار)، في حين قالت إنها سترفع هذا الدعم إلى 60 مليار ريال (16 مليار دولار) بتمويل كامل من الحكومة، بما يتواكب مع خطة الإصلاح الاقتصادي 2030.

وبحسب البيانات الرسمية، فقد خصصت الحكومة في موازنة عام 2018 نحو 32.4 مليار ريال (8.64 مليارات دولار) لبرامج دعم المواطنين، بعدما أثارت زيادات الأسعار والضرائب التي استحدثها ولي العهد محمد بن سلمان على عدد من الخدمات، ودخلت حيز التنفيذ مطلع العام الماضي، غضب شريحة كبيرة من السعوديين.

ومنذ 3 سنوات تقدم الحكومة السعودية أموالاً طائلة للمواطنين في محاولة لامتصاص غضبهم على سياسات الحكومة، وفشل الخطط التنموية في البلاد مع تراجع مستوياتهم المعيشية دون سائر دول الخليج، في حين تبدو الرياض عاجزة أمام إيقاف عجلة البطالة أو توفير فرص لجيوش من العاطلين عن العمل، رغم أنها طردت أكثر من مليون أجنبي بين موظف وعامل خلال السنوات الماضية بحجة توطين الوظائف في قطاعات الدولة.

زيادة الدعم إقرار بفشل توطين الوظائف

ويوم السبت، 12 يناير 2019، أعلن صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف) أنه أودع يوم (11 يناير 2019) 400 مليون ريال (نحو 107 ملايين دولار)، في الحسابات المصرفية لأكثر من 269 ألف مستفيد ومستفيدة من المسجلين في برامج "حافز" للبحث عن فرص عمل، وذلك عن شهر ربيع الثاني للعام 1440هـ (8 ديسمبر 2018 - 6 يناير 2019)، بحسب ما أوردت صحيفة "عكاظ" السعودية.

ويقدم صندوق تنمية الموارد البشرية برامج دعم تأهيل وتدريب للمستفيدين من برنامج البحث عن عمل بهدف تطوير مهاراتهم وقدراتهم، انطلاقاً من أهداف ورسالة الصندوق في تمكين أبناء المواطنين من الالتحاق بسوق العمل والمشاركة في مسارات التنمية الوطنية الراهنة.

وأطلق مشروع "هدف" الخاص بدعم المواطنين خلال الفترة الماضية برامج محفزة للتوطين وعقد لقاءات وظيفية بالتعاون مع القطاع الخاص في عدد من مناطق المملكة، بهدف مشاركة أكبر عدد من المواطنين في البرامج التأهيلية للدخول إلى سوق العمل.

وأظهرت السنوات الأخيرة عجز السلطات السعودية عن معالجة ظاهرة البطالة في المجتمع، رغم أنها عملت على توطين الكثير من الوظائف، وغادر البلاد أكثر من مليون مقيم بين عامل وموظف، بسبب إجراءات جديدة منها فرض الضرائب على الوافدين، في حين لم يرغب طيف واسع من السعوديين في العمل بوظائف يعتبرونها متدنية.

وتشمل أرقام ارتفاع البطالة خريجي الجامعات ومهنيين وحرفيين، حيث كشف مصدر في الهيئة السعودية للمهندسين، يوم 8 يناير 2019، أن نحو 12 ألف مهندس سعودي عاطلون عن العمل، معتبراً أنها مشكلة "كبيرة جداً" ولا بد من حلها سريعاً قبل تفاقم الوضع أكثر.

وقال المصدر لصحيفة "عكاظ" إن عدداً كبيراً من المهندسين مشتركون في نظام التأمينات الاجتماعية، ورواتبهم لا تتعدى 3500 ريال (أقل من ألف دولار)، رغم أن عدد المهندسين السعوديين المسجلين لدى الهيئة 36 ألف مهندس مقابل 194 ألف أجنبي، غادر نحو 40 ألف مهندس أجنبي المملكة بسبب برامج توطين الوظائف وتراجع فرص العمل وزيادة الضرائب.

ضرائب وخسائر

في مطلع العام 2018 دخلت ضريبة القيمة المضافة (بواقع 5%) على السلع والخدمات في المملكة حيز النفاذ، بالتزامن مع رفع أسعار البنزين بنسب تراوحت بين 82% و126%، كما دخل قرار رفع التعرفة لأسعار الكهرباء في البلاد حيز النفاذ أيضاً.

وأثارت هذه الزيادات والضرائب حفيظة قطاع كبير من السعوديين، وأحدثت موجة انتقادات غير مسبوقة على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يتدارك العاهل السعودي الأمر بإقرار "حساب المواطن".

وأظهرت هذه الإجراءات هشاشة المعيشة لدى معظم الأسر السعودية، وعدم القدرة على مواجهة التقلّبات الاقتصادية الناتجة عن قرارات الحكومة، حيث كشفت المعطيات الرسمية أن عدد المتضرّرين من الإجراءات الاقتصادية قد تجاوز ثلثي السعوديين، الأمر الذي دفع هؤلاء إلى مدّ أيديهم إلى الدولة بغرض الاستفادة من الإعانات التي تقدمها من خلال "حساب المواطن".

الخسائر الاقتصادية التي تتكبدها المملكة لا تشمل فقط دعم العاطلين عن العمل فحسب، بل إن الأوامر الملكية (أصدرها الملك سلمان بن عبد العزيز يوم 6 يناير 2018) المتضمنة زيادة للرواتب وبدلات غلاء معيشة وبرنامج الدعم النقدي للمواطنين (حساب المواطن)، كلّفت الدولة 80 مليار ريال (أكثر من 21 مليار دولار) خلال العام 2018، بحسب وزير الإعلام السعودي السابق، عواد العواد.

و"حساب المواطن" هو برنامج أقرّته الحكومة السعودية، يستهدف الفئات متوسطة وقليلة الدخل من المواطنين السعوديين؛ إذ يُمنحون مبالغ مالية لمواجهة الارتفاعات في أسعار الوقود والكهرباء والمياه، وحزمة من الضرائب والرسوم على السلع والخدمات، في حين يشكك السعوديون في جدوى هذا الحساب.

وتتغير أعداد المستحقين للدعم في البرنامج شهرياً حسب تغير شروط الاستحقاق، وقد شملت إحدى الدفعات أكثر من 3 ملايين و300 ألف أسرة بإجمالي 11.6 مليون شخص سعودي، سجلوا في برنامج الدعم النقدي، وهي أرقام كبيرة جداً، تناقض تماماً ما تعلنه الحكومة من خطط تنموية واقتصادية الهدف منها توفير فرص عمل وتوظيف أكبر عدد من المواطنين.

ويبلغ العدد الإجمالي للمواطنين المستحقين للدعم في المملكة نحو 21.6 مليون سعودي، من أصل 31 مليوناً، عدد السكان، أي أكثر من الثلثين، بحسب معطيات رسمية.

وعقب زيادة الضرائب ورفع الأسعار في يناير 2018، أعلنت مؤسسة النقد العربي السعودي أن إجمالي قيمة القروض الاستهلاكية التي يدين بها السعوديون لمصارفهم تجاوز الـ350.7 مليار ريال سعودي، أي نحو 94 مليار دولار.

وتعدّ هذه النسبة الأعلى من نوعها خلال السنوات الماضية، حيث ذكر تقرير للمؤسّسة السعودية، نشرته جريدة عكاظ السعودية حينها، أن المصارف المحلية تطالب السعوديين بأداء 122.93 مليار ريال، أي نحو 33 مليار دولار.

وعلاوة على حالة الغضب الشعبي، دفعت الزيادة في أسعار الوقود خبراء وصحفيين اقتصاديين إلى التحذير من آثار القرار على القدرة الشرائية للمستهلك ونِسَب ادخاره، الأمر الذي يترك تبعات سلبية على اقتصاد البلاد الذي يعيش حالة انكماش تقتضي إطلاق سياسات تحفيزية لا ضريبية.

وبرامج الدعم وارتفاع نسبة البطالة وزيادة الضرائب وهروب رؤوس الأموال من المملكة تأتي في وقت تعاني فيه السعودية (أكبر دولة مُصدرة للنفط في العالم) من تراجع حاد في إيراداتها المالية، ناتج عن تراجع أسعار النفط الخام عمَّا كانت عليه في العام 2014.

مكة المكرمة