تهريب العملة.. ظاهرة تعمّق جراح الاقتصاد الجزائري

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GKxRoK

القيود الجزائرية تدفع البعض لنقل أموالهم للخارج

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 06-03-2019 الساعة 14:13

على الرغم من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تشهدها الجزائر؛ بسبب تراجع عائداتها من الجباية النفطية، فقد عجزت الحكومة عن احتواء ظاهرة تهريب العملة الأجنبية التي تعرف نمواً مطرداً، زاد وعمّق من متاعب اقتصاد البلاد.

ففي يوم الاثنين (21 يناير 2019) تمكنت الجمارك الجزائرية من إحباط محاولة تهريب نحو 268 ألف يورو، كانت في طريقها نحو الشريط الحدوي لمحافظة تبسة، باتجاه تونس.

وفي نفس اليوم نقلت وسائل إعلام تونسية أن فرقة تفتيش المسافرين بالمكتب الحدودي للجمارك التونسية، أوقفت جزائرياً بحوزته 740 ألف دولار أمريكي، على مستوى المعبر الحدودي ملولة (يقابله أم الطبول من الجانب الجزائري)، حاول تهريبها إلى الأراضي التونسية.

وبالنظر إلى حركة رؤوس الأموال عبر القنوات غير الشرعية، فإن الحوادث السابقة ليست معزولة؛ حيث تكشف أرقام المديرية العامة للجمارك الجزائرية عن إحباط محاولة تهريب ما يزيد على 4.5 مليون يورو خلال الأشهر الأخيرة من عام 2018.

نفس الجهة أحصت في حصيلة حول مخالفات التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة الأموال، من وإلى الخارج، في شهر ديسمبر 2018، محاولات تهريب لـ 60 مليون دولار في الأشهر التسعة الأولى من ذات العام خلال 311 عملية.

بالمقابل تكشف أرقام الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد عن تهريب أكثر من مئة مليار دولار خلال السنوات العشر الأخيرة.

تنامي ظاهرة تهريب العملة دفع بخبراء وسياسيين إلى دق ناقوس الخطر؛ بسبب تداعياتها الكبيرة على اقتصاد البلاد، الذي يعاني أصلاً من نزيف حاد في العملة الصعبة؛ بسبب تراجع مداخيل البلاد من الجباية النفطية بداية من العام 2014، مع بداية تهاوي أسعار النفط في الأسواق العالمية.

كما تأتي وسط أزمة سياسية تهز البلاد في ظل ترشح الرئيس المريض عبد العزيز بوتفليقة للانتخابات الرئاسية، ورفض شعبي كبير لذلك.

وحسب أرقام البنك المركزي الجزائري، فقدت الجزائر أكثر من نصف احتياطها خلال السنوات الخمس الماضية، إذ بلغ نحو 194.01 مليار دولار عام 2013، ليتهاوى إلى نحو 82.12 مليار دولار نهاية نوفمبر 2018.

وبسبب هذا النزيف دعا خبراء ومختصون إلى ضرورة احتواء ظاهرة تهريب العملة، ورصدوا للظاهرة عدة أسباب لانتشارها وتفاقمها.

تضخيم الفواتير

الخبير الاقتصادي مسعود العمري يقول، في حديثه لــ"الخليج أونلاين": إنه "إلى جانب الأموال الكبيرة التي تهرَّب عبر مختلف المنافذ الحدودية للجزائر، سواء عبر المطارات أو المنافذ البرية، فإن هناك وسائل وأساليب أخرى يُستنزف من خلالها الاحتياطي النقدي للبلاد".

ومن أهم الأساليب- وفق ما يؤكد العمري- "تضخيم الفواتير التي تتم تحت غطاء عمليات الاستيراد".

العمري استدل على قوله بفضيحة 17 حاوية من القمامة، التي حجزتها وحدات الجمارك في الخامس من ديسمبر الماضي، وكانت فوترتها بأكثر من 300 ألف دولار، وهي تحمل أكثر من 343 طناً من المواد البلاستيكية المعفنة، وهي ليست الجريمة الوحيدة من نوعها؛ حيث تؤكد تقارير أمنية أن ما لا يقل عن 500 محضر أعدته مصالح الجمارك  لنفس السبب كلف خزينة الدولة ما بين 15 و 20 مليار دولار ما بين 2010 و 2015.

بدورها، اعتبرت لويزة حنون، الأمينة العامة لحزب العمال، في مداخلة تلفزيونية سابقة، أن "أرقام الجمارك بخصوص تهريب العملة مؤشر واضح لاستعداد هؤلاء للهروب من الجزائر قبل انهيار اقتصاد البلاد"، الذي شبهته حنون بـ"الباخرة التي توشك على الغرق".

الخبير الاقتصادي فارس مسدور أكد لـ"الخليج أونلاين" أن "عدم حرص الحكومة على فتح تحقيقيات ونقاشات في قضية تهريب العملة ساهم في تفاقم الظاهرة التي باتت تنخر صميم الاقتصاد الوطني، بعدما أصبح الجميع يحاول تحويل أمواله إلى العملة الصعبة، واكتنازها أو تحويلها إلى ذهب ومحاولة تهريبها إلى الخارج".

أسواق العملة

كما يعتقد مسدور بأن استفحال الفساد في مؤسسات الدولة، وانهيار أسعار العملة المحلية، وانتشار الأسواق الموازية وغير الشرعية لصرف الأموال، وأحد تلك الأسواق، المشهور بسوق السكوار، لا يبتعد سوى أمتار قليلة عن مقر البرلمان الجزائري؛ من الأسباب المهمة لانتشار ظاهرة تهريب العملة نحو الخارج.

وبالعودة إلى القانون الجزائري فهو يضع شروطاً معقدة في تحويل الأموال؛ حيث يمنع تحويل الأموال إلى الخارج عبر حسابات بنكية فردية، في حين يضع شروطاً مشددة على الشركات، وتتطلب عملية التحويل موافقة مجلس النقد والقرض على مستوى البنك المركزي، وأهمها أن يكون التحويل محصوراً في الشركات التي تحقق إيرادات من الصادرات وفق نشاطها الإنتاجي بالجزائر.

وتعتبر مخالفة التشريع والتنظيم المتعلقين بالصرف وحركة رؤوس الأموال، من وإلى الخارج بأي وسيلة، جريمة خطيرة جداً، ويقضي قانون العقوبات بسجن المتورطين في قضايا من هذا النوع من سنة إلى عشر سنوات مع مصادرة المبالغ المراد تهريبها.

القيود السابقة تدفع بالكثير من الجزائريين الذين تربطهم علاقات عمل أو مصالح تجارية مع الخارج إلى محاولة الانتقال لبلدان مجاورة، وبشكل خاص تونس، لإجراء تلك المعاملات؛ مما يتطلب نقل مبالغ مالية عبر الحدود بطرق سرية ودون التصريح بها.

ومن بين أهم أسباب انتشار ظاهرة التهريب، بحسب رأي مسدور: التباين الكبير لأسعار الصرف في الأسواق الرسمية والموازية؛ والسبب في ذلك غياب كامل لمؤسسات الصرافة الحكومية على غرار باقي دول العالم.

ويجزم مسدور أن "استحداث مثل هذه القنوات الرسمية في صرف الأموال قد يكون جزءاً مهماً من الحل".

مكة المكرمة