تونس: نهب متواصل للثّروات وسياسيون في قفص الاتهام

هناك ضغوط أوروبية كبيرة على المسؤولين في تونس

هناك ضغوط أوروبية كبيرة على المسؤولين في تونس

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 15-03-2018 الساعة 15:18


أثارت تصريحات سهام بن سدرين، رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة التي تشرف على مسار العدالة الانتقالية في تونس، كشفت فيها مصير ثروات البلاد الباطنيّة، جدلاً واسعاً لدى الرأي العام.

بن سدرين أكدت، في تصريحات إعلامية نشرت مطلع الشهر الجاري، أن الهيئة تسلمت من فرنسا أرشيفاً سرياً هاماً من بينه وثائق متعلقة باتفاقيات سارية المفعول أُبرمت عام 1955 (قبل الاستقلال بعام)، تتعلق باستغلال فرنسا لكل "خبايا الأرض"؛ من نفط وملح وماء وفسفات بـ "شكل استعماري".

وتداول عشرات آلاف التونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي تصريح بن سدرين، معبّرين عن استغرابهم من مواصلة المسؤولين التكتّم الشديد حول واحد من أعقد الملفّات وأكثرها غموضاً منذ عقود.

- اتفاقيات ظلّت طي الكتمان

الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة شغيلة في البلاد) طالب، الأسبوع الماضي، بالكشف عن حقيقة عدد من الاتفاقيات التي أمضتها الدولة التونسية بخصوص الثروات الباطنية والاتفاقات التجارية لما فيها من إجحاف ومن ضرر بمصلحة تونس ومساس بالسيادة الوطنية.

ودعا اتحاد الشغل خلال اجتماع هيئته الإدارية إلى مراجعة هذه الاتفاقيات والحفاظ على الثروات الوطنية.

بدوره طالب النائب بالبرلمان، ياسين العيّاري، رئيسة الهيئة وفي إطار حق النفاذ إلى المعلومة بتمكينه من الوثائق والمعاهدات التي حصلت عليها من فرنسا.

وبحسب قانون العدالة الانتقالية، تتمثل مهمة هيئة الحقيقة والكرامة في "كشف حقيقة انتهاكات حقوق الإنسان" الحاصلة منذ الأول من يوليو 1955، أي بعد نحو شهر على حصول تونس على الحكم الذاتي من الاستعمار الفرنسي، وحتى 31 ديسمبر 2013، و"مساءلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتعويض الضحايا ورد الاعتبار لهم".

- خوف من غضب الاتحاد الأوروبي

وتؤكّد مصادر سياسية مطّلعة لـ"الخليج أونلاين" أن هناك ضغوطاً أوروبية كبيرة على المسؤولين في تونس، بهدف عدم إعادة النظر في عقود استغلال الثروات الباطنيّة من قبل عدد من الشركات الغربيّة.

اقرأ أيضاً :

العدالة المتعثِّرة في تونس.. تعذيب متواصل وإفلات من العقاب

وتقول مصادر "الخليج أونلاين" إن رئيس الحكومة الأسبق، مهدي جمعة، خضع للضغوط الأوروبية، وجدد عدداً من رخص الشركات الأجنبية بهدف كسب تحقيق منافع شخصيّة وسياسية على مدى المستقبل القريب.

وتشدّد المصادر على أن حكومة "الترويكا" بقيادة حركة النهضة كانت تتجنّب إثارة ملفّ استغلال الثروات الباطنية التونسية من قبل عدد من الشركات الأجنبية؛ لما قد تسبّبه من "إغضاب" للاتحاد الأوروبي.

وفي تونس كميات لا بأس بها من الموارد البترولية والثروات الباطنية، أهمها النفط والغاز الطبيعي والفسفات.

وتتركز آبار النفط الرئيسية في مناطق الجنوب، فيما تقع حقول الغاز الطبيعي على الشريط الساحلي.

وليست هذه المرّة الأولى التي يعود فيها الحديث عن استغلال الثروات الطبيعية في تونس بشكل "استعماري" من قبل الشركات الأجنبية.

- أين البترول؟

في 23 من أبريل الماضي، شارك العشرات في اعتصام بمنطقة الكامور البترولية في ولاية تطاوين جنوب تونس للمطالبة بالتنمية والتشغيل والتوزيع العادل للثروات الطبيعية ونشر الأرقام الحقيقية لهذه الثروات في البلاد.

و"اعتصام الكامور" هو مواصلة لتحرك "وينو (أين) البترول؟"، الذي انطلق سنة 2015 وتلاشى شيئاً فشيئاً فيما بعد.

ويقول مراقبون إن قطاع الطاقة يعدّ واحداً من أكثر القطاعات "غموضاً" و"فساداً" في تونس منذ عشرات السنين.

وأظهرت تحقيقات أجرتها لجنة التحقيق الوطنية حول الفساد والاختلاس، استناداً إلى وثائق عُثر عليها في مكتب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وجود شبكة من المتورطين في ممارسات مشبوهة في علاقة بالمؤسسات العموميّة التي تعمل في قطاع الطاقة، وهذا بالتواطؤ مع مقيمين في الخارج.

وفي تصريحات صحفية سابقة، قالت فوزية باشا، أستاذة القانون المختصة في العقود النفطية، إن حجم التحفظات التي أثبتها تقرير دائرة المحاسبات من خلال أعمال التدقيق على 7 رخص فقط من سنة 2005 إلى سنة 2010 بلغت 142 مليون دولار غير مستخلصة من الشركات الأجنبية العاملة في القطاع النفطي.

وأضافت باشا: "الشركات الأجنبية العاملة في قطاع المحروقات لا تخدم مصلحة تونس؛ نظراً للفراغ القانوني، ويتوجب بذلك تنقيح القوانين في العقود النفطية، والعمل على وجوب استخلاص الضرائب على المحروقات والتي لا تقوم الشركات الأجنبية بخلاصها".

الأكاديمية التونسية أكدت كذلك أن حقول النفط التونسية تعمل أغلبها دون مراقبة الدولة مع غياب العدادات الموازية في الحقول والضامنة للمعلومات والمحددة لنسب الإنتاج، مشيرة إلى أن عديد الحقول تعمل بعدادات الشركة فقط.

- فساد في قطاع إنتاج الملح

كذلك كشفت وثائق مسرّبة فساداً كبيراً في قطاع إنتاج الملح الغذائي من قبل شركة "كوتيزال" الفرنسيّة.

ويعد ملف "كوتيزال" من أقدم الملفات المتعلقة بالاستثمارات الفرنسية في تونس، إذ تمثّل هذه الشركة واحدة من ست شركات تستخرج الملح في البلاد، ولكنها كانت تحتكر القطاع إلى حين ظهور المنافس الأول في السوق سنة 1994.

وأسّست "كوتيزال" بموجب المرسوم الصادر في 6 أكتوبر 1949 والذّي وضعه المقيم العام الفرنسي آنذاك "جان مونس" ويخضع لموافقة باي تونس.

وتنصّ إحدى البنود في اتفاقيّة 1949 على "سداد حقوق استغلال الأملاك العامة بقيمة 1 فرنك للهكتار الواحد سنوياً، لجميع المناطق التي تشملها رسوم الامتياز للمجال العام".

وأكد المدير الفنّي للشركة العامّة للملّاحات التونسيّة "كوتيزال"، رياض الماشطة، في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء (وات)، في 9 مارس، أنّ الدولة التونسيّة لم تنقض العقد الذي يسمح لهذه الشركة ذات رأس المال المشترك (65 بالمئة رأسمال أجنبي و35 بالمئة تونسي) باستغلال ملك عمومي بحري لاستخراج الملح، منذ سنة 2014، ما أدّى إلى تجديد العقد الذّي يعود تاريخه إلى سنة 1949، بطريقة آلية وتواصل نشاط الاستغلال إلى غاية سنة 2029.

وفي تعليقه على تصريح "الماشطة"، دعا المحامي سمير بن عمر، 12 مارس الجاري، إلى محاكمة رئيس الحكومة الأسبق مهدي جمعة، بعد تجديد عقد "كوتيزال" بنفس سعر العقد الأول المبرم في أربعينيات القرن الماضي، وتفريطه في ثروات الشعب التونسي لفائدة المستعمر الفرنسي، حسب قوله.

وأضاف بن عمر أن جمعة لم يقف عند هذا الحد؛ حيث قام بتجديد رخص التنقيب عن النفط لفائدة الشركات الأجنبية بعد امتناع المجلس الوطني التأسيسي عن التجديد، داعياً إلى محاكمته.

مكة المكرمة