جدل في تونس.. موظفو بن علي يعودون للواجهة لـ"إصلاح الاقتصاد"

المصالح الإدارية سياسية أكبر منها اقتصادية

المصالح الإدارية سياسية أكبر منها اقتصادية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 15-09-2017 الساعة 22:04


أثارت مصادقة البرلمان التونسي، بالأغلبية المطلقة للأصوات، على مشروع قانون للمصالحة في المجال الإداري، جدلاً واسعاً في البلاد، حول جديّة الائتلاف الحاكم في دعم مسار العدالة الانتقالية ومحاربة الفساد.

وفي 14 سبتمبر الجاري، حظي القانون، الذي يتضمّن 7 بنود تقرّ العفو عن نحو ألف و500 موظف حكومي ممن يُشتبه بارتكابهم "الفساد المالي"، و"الاعتداء على المال العام" (فترة حكم زين العابدين بن علي)، حظي بموافقة 117 نائباً، ورفضه 9، في حين تحفّظ نائب واحد، من أصل217.

وقبيل المصادقة، حاول عشرات من نشطاء حملة "مانيش مسامح" (لن أسامح؛ حركة شبابية تأسست في 2015 لرفض قانون المصالحة) اقتحام مبنى البرلمان؛ احتجاجاً على القانون الذي يستثني الموظفين المشتبه بـ "ارتشائهم واستيلائهم على المال التونسي العام".

ومعلّقاً على القانون، قال رئيس كتلة "نداء تونس" بالبرلمان، سفيان طوبال، إن توقيت تمريره جاء تزامناً مع خطاب رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، في جلسة الثقة، التي أعلن فيها عن عدد من الإصلاحات والإجراءات لمقاومة الوضع الاقتصادي المتردّي في المرحلة الأخيرة، "لذلك ارتأينا أنه قد ينعكس إيجابياً على الإدارة التونسية المعطّلة والمكبّلة".

وأوضح طوبال في حديثه لـ "الخليج أونلاين"، أن القانون جاء لإصلاح الوضع الاقتصادي المتردّي، وإنصاف الموظفين الذين لم يحققوا منافع شخصية، ولكنهم ارتكبوا أخطاء تحت ضغوطات وتعليمات من نظام دكتاتوري، مشيراً إلى أنه من غير المقبول أن يبرم "الفاسدون المتورّطون صلحاً مع الدولة عن طريق هيئة الحقيقة والكرامة ولا يتمّ الالتفات إلى هؤلاء".

وفي يوليو الماضي، أدخلت لجنة التشريع العام بالبرلمان التونسي تعديلات جذرية على القانون قبل إحالته على الجلسة العامة، وشملت هذه التعديلات حذف الجزء المتعلق بالمصالحة الاقتصادية، والإبقاء على الجزء الخاص بالمصالحة الإدارية، والتي ستشمل ألفاً و500 موظف حكومي، في حين تم استثناء رجال الأعمال من المصالحة، وفق الصيغة النهائية للقانون.

اقرأ أيضاً :

تونس.. المصادقة على قانون يعفي "الفاسدين" من المحاكمة

- قانون غير دستوري

بدوره قال الخبير الدستوري والمحلل السياسي، قيس سعيّد: إن "قانون المصالحة الإدارية أقرّ هيئة قضائية استثنائية، في وقت يمنع فيه الدستور إحداث محاكم استثنائية".

وفي حديثه لـ "الخليج أونلاين"، قال: "صحيح أن القانون لم يعفُ مباشرة عن كل رجال بن علي، وأن هناك من لم يستفد منه، لكنه كان داخل المنظومة، لذا فإن القضية لا يمكن مقاربتها قانونياً؛ لأنها قضية سياسية وهناك عودة إلى الوراء، فممرّروا القانون يقولون إن البعض لم يرتكب جرائم".

واستدرك سعيد بالقول: "لكن في نفس الوقت هناك من دفع الثمن باهظاً لأنه كان خارجها، دون أن يكون له أي انتماء سياسي، فكان جزاؤه العزل أو التجميد في مكتب يشبه الحبس الانفرادي؛ لأنه لم يكن منسجماً مع هذه المنظومة".

وحول تداعيات القانون على مشهد الانتقال الديمقراطي وهيئة الحقيقة والكرامة، أوضح سعيّد أن قانون المصالحة الإدارية يتعلّق بالعفو غير المعلن، في حين أن العفو لا يمكن أن يُعتدّ به حسب نص الدستور، مشيراً إلى أنه سيكون له تداعيات على هيئة الحقيقة والكرامة التي تعيش في ظل حالة حصار.

وتابع القول: "الهيئة القضائية هي الوحيدة التي بقيت على قيد الحياة في ظل توازنات ما قبل انتخابات 2014، كما أن هذا العفو غير المعلن سيكون له أثر سلبي على كل مسار الانتقال الديمقراطي؛ لأن ما يتم إعداده تحت جنح الظلام وفي الغرف المغلقة لا يمكن أن يكون ديمقراطياً".

سعيّد رأى أيضاً أن "هناك نظامين في تونس؛ أحدهما ظاهر والآخر خفي"، وفي الظاهر هناك مؤسسات ونقاشات وقوانين، ولكن من بيده السلطة الحقيقية لم يتغيّر، لافتاً إلى أن النظام الحالي الذي يمهّد الطريق لتمرير قانون المصالحة الاقتصادية مستقبلاً يتحمّل مسؤولية العودة إلى الوراء.

اقرأ أيضاً :

التهريب في تونس.. إضعاف لاقتصاد الدولة وسط غياب للحلول

- مشكلة الاقتصاد

في ذات السياق، أكد الخبير الاقتصادي التونسي، الصادق جبنون، أن المصالح الإدارية سياسية أكبر منها اقتصادية؛ لأن مشكلة الاقتصاد التونسي وأزمته الحالية هي بالأساس هيكلية، مشيراً إلى أنها تمثل أزمة إنتاج وتصدير وبيروقراطية أكثر منها سياسية.

ورأى جبنون في تصريح لـ "الخليج أونلاين"، أن هناك مساراً للعدالة الانتقالية قائم الذات، وأن هذا القانون يأتي في إطار سلسلة من المبادرات المجتمعية التي قُدّمت مؤخراً، منها ما يتعلق بالجدل حول المساواة في الميراث، وزواج التونسية بغير المسلم، وكله يدخل ضمن الجدال السياسي أكثر منه إنجازات اقتصادية.

الخبير الاقتصادي التونسي شدّد على "ضرورة وجود مصالحة تطوي صفحة الماضي، لكن على أسس سليمة"، مضيفاً أن أزمة الاقتصاد التونسي مردّها أساساً إلى ضعف التصدير، وتفاقم الواردات في القطاعات الأساسية؛ على غرار الصناعة والفلاحة، إضافة إلى عوامل أخرى لم تجد الاهتمام الضروري أو الإجابة الشافية لها.

وحول إمكانية أن يكون قانون المصالحة الاقتصادية حلاً قادراً على إخراج البلاد من أزمتها الحالية، أوضح جبنون أنها يجب أن تكون شاملة، وليست فقط مع رموز المنظومة القديمة (نظام بن علي)، كما يجب أن تتخلّلها إصلاحات جذرية.

مكة المكرمة