حرب تحت الطاولة.. هل تعمِّق التهديدات الأمريكية نزيف الليرة التركية؟

الرابط المختصرhttp://cli.re/LvKamg

الرئيس الأمريكي مع نظيره التركي

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 01-08-2018 الساعة 20:08

وراء التصريحات والتهديدات المتبادلة تخوض الولايات المتحدة الأمريكية حرباً اقتصادية شرسة غير معلنة ضدّ تركيا، اشتدَّت ضراوتها بعد فوز الرئيس، رجب طيب أردوغان، وحزبه بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية، التي جرت في 24 يونيو 2018، وأذنت بتطبيق النظام الرئاسي الجديد الذي يوسّع صلاحيات الرئيس.

وتصاعدت حدّة الخلافات بين واشنطن وأنقرة مؤخراً، رغم أنها أخذت منحى تصاعدياً منذ نحو 7 سنوات، وزادت الفجوة بين البلدين بعد محاولة الانقلاب على النظام التركي، في يونيو 2016، على خلفيَّة اتّهام تقارير تركية الولايات المتحدة بأنها على علم بمحاولة الانقلاب لكنها لم تُخبر القيادة التركيَّة بذلك، رغم أن أنقرة تشكِّل ثاني أكبر قوَّة في حلف الناتو بعد أمريكا.

أمن تركيا وحلف الناتو

ما زاد تعقيد العلاقات بين البلدين اللذَين يجمعهما أكبر حلف عسكري حول العالم، تخلّي حلف شمال الأطلسي عن دعم القوات التركية في الحفاظ على أمنها القومي، لا سيما بعد انتشار التنظيمات "الإرهابية" المناهضة لتركيا قرب حدودها الشرقية والجنوبية، وعدم تزويد أنقرة بمنظومة صواريخ "باتريوت" لمواجهة التحدّيات التي تتعرَّض لها منذ بداية الأزمة السورية.

وطوال السنوات الماضية، تدافع تركيا عن نفسها أمام المخاطر الأمنيَّة والاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية -بطريقة غير مباشرة- وحلفاؤها في الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط؛ منها التهديد بفرض عقوبات عسكرية، وتارة اقتصادية، وأخرى أمنيّة، وأحياناً بدعم جماعات "إرهابية" مناهضة لأنقرة.

وتحرِّك واشنطن خيوط هذه "المؤامرة" من تحت الطاولة بهدف الضغط على تركيا والحصول على تنازلات إقليميَّة ودولية أو الانكفاء على الشأن الداخلي وعدم مضايقة حلفائها على الساحة الدولية؛ منها مسألة مواجهة انتهاكات دولة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، ومحاربة التنظيمات الإرهابية شمالي سوريا والعراق، وعدم انتقاد سياسة الولايات المتحدة والنظام الدولي.

 

وكالات التصنيف.. سلاح أمريكا

ومما يزيد الأمور تعقيداً بالنسبة إلى تركيا أن الولايات المتحدة تمتلك أكبر 3 وكالات تصنيف ائتماني في العالم؛ وهي: وكالة "فيتش" و"ستاندرد آند بورز" و"موديز"، وترتبط هذه المؤسَّسات الاقتصادية ارتباطاً عضوياً مع المؤسَّسة السياسية في الإدارة الأمريكية.

وتُتّهم تلك الوكالات باستخدام واشنطن لها في مواجهة خصومها وشنّ حروب اقتصادية على دول تريد أمريكا منها الحصول على تنازلات ومصالح، كما هو الحال في بثّ تقارير سلبيّة عن الاقتصاد السعودي قبيل انتهاء ولاية الرئيس السابق، باراك أوباما، وكذلك الاقتصاد الروسي والصيني والفنزويلي، وحالياً اقتصاد تركيا، وهي في العموم محاولات لإبعاد المستثمرين وإعطاء صورة سلبيّة عن بيئة الأسواق المالية داخلياً وخارجياً.

حرب عملات

استمرَّت الليرة التركية بالهبوط طوال الفترة الماضية، حيث وصلت إلى 6.10 مقابل الدولار الأمريكي، صباح الجمعة (10 أغسطس 2018)، قبل أن تقترب باليوم نفسه من 6.46 ثم تعاود الانخفاض؛ وذلك استمرار التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية جديدة على البلاد، الأمر الذي يُقلق شريحة كبيرة من المستثمرين.

ورداً على تهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات على تركيا إذا لم يتم إطلاق سراح القس الأمريكي المتَّهم بدعم الإرهاب ومحاولة الانقلاب، قال الرئيس أردوغان إن بلاده لن تستسلم لتهديد الرئيس الأمريكي، وفق ما نقلته صحيفة "خبر تورك"، الأحد (29 يوليو 2018).

ويرى مختصّون في الشأن الاقتصادي التركي أن هذه التهديدات ربّما تقلّل من تدفّق رؤوس الأمول إلى تركيا وتضغط على العملة المحليّة وترسل رسائل غير مطمئِنة بهدف التشكيك في البيئة الاستثمارية محلياً، في وقت تعتمد تركيا في احتياجاتها التمويلية على التدفّقات المالية قصيرة الأجل بنسبة كبيرة، كما يؤدّي تدحرج الليرة إلى زيادة التضخّم، الذي من شأنه أن يُعيق قدرة الشركات على سداد ديونها بالعملات الأجنبيَّة.

إعادة هيكلة ديون الشركات

وفي ظلّ هذا التراجع ذكر تقرير لوكالة "بلومبيرغ" الاقتصادية، الثلاثاء (31 يوليو 2018)، أن مجموعة من البنوك التركية اقترحت تطبيق قواعد جديدة تُسهم في عمليَّة إعادة هيكلة ديون الشركات، وتسمح للمُقرِضين بتجنُّب مشاكل تسديد القروض، نتيجة لعدم استقرار الاقتصاد التركي.

وأضاف التقرير أن المقترح ينطبق على القروض التي تتجاوز قيمتها 50 مليون ليرة (نحو 10.2 ملايين دولار) للمقترضين الذين يواجهون صعوبات مؤقَّتة في السداد، وهم على استعداد لسداد ديونهم ويستفيدون من إعادة الهيكلة، وفقاً للمبادئ المقترحة من قبل مجموعة الصناعة المصرفية.

وكان الاقتراح المقدَّم من اتحاد البنوك في تركيا، بتاريخ 24 يوليو الماضي، قيد الدراسة، ينتظر موافقة أعضاء مجموعة الصناعة المصرفية على التوصيات (TBB)، التي تمثّل 46 مؤسسة، ومن ضمن ذلك بعض أكبر المؤسّسات المحلية والدولية في البلاد.

وقُدِّمت هذه التوصيات في وقت فقدت فيه العملة المحلية نحو 23% من قيمتها مقابل الدولار، وعرقل هذا النزول قدرة الشركات على سداد ديونها الخارجية. في حين أدّت زيادة أسعار الفائدة إلى ارتفاع تكاليف الاقتراضات المحلية إلى أعلى مستوياتها في نحو عقد من الزمن، حيث رفع البنك المركزي التركي أسعار الفائدة خلال الأشهر القليلة الماضية بهدف احتواء حجم التضخّم، رغم أن هذه الخطوة تُشكّل عائقاً أمام تسديد الديون.

وشكّك اقتصاديون ومحلّلون مصرفيّون في قبول الشركات بهذا المقترح، وقال جاغداش دوغان، وهو محلّل مصرفي لدى مؤسّسة (BGC) في إسطنبول: "نشكّ في أن يكون هذا الاقتراح متوافقاً مع أي قانون تجاري. أعتقد أنه من غير المحتمل أن يقبله المنظِّمون كما هو".

وأضاف المصرفي التركي: "رغم أن مبرّرات هذا المقترح كانت مفهومة، فإن عمليات إعادة هيكلة الديون قد تستغرق وقتاً أطول من المقرضين، ما يُجبرهم على حجز القروض كما لو كانوا غير مقترضين".

في تقرير التضخّم الفصلي الذي نشره البنك المركزي، الثلاثاء (31 يوليو 2018)، حذّر من انخفاض حجم الطلب على القروض في ضوء "احتمال وجود صعوبات مالية قد تواجهها الشركات التي تستخدم قروضاً بالعملات الأجنبية، بسبب التقلّبات في الأسواق المالية". 

وأضاف التقرير أن الزيادة في عدد "الشركات المتعثّرة في سداد ديونها قد تؤثّر سلباً على علاوة المخاطر في البلاد".

المستهدف أردوغان وليس تركيا

وحول موضوع تدهور الليرة التركية، خلال يوم الجمعة (10 أغسطس 2018)، يرى الخبير في الاقتصاد التركي، أحمد مصبَّح، أن "الانخفاض الذي حدث في الأيام الأخيرة كان مصحوباً بتقرير البنك المركزي التركي المتعلّق بتوقّعات ارتفاع معدّلات التضخّم لتصل إلى 13.4%".

وأضاف الخبير الاقتصادي لـ"الخليج أونلاين": إن "هذا الأمر يعكس أحد احتمالين؛ إما عدم توصّل الرئاسة التركية والبنك المركزي إلى صياغة توافقية بشأن السياسة النقدية في البلاد، أو معرفة صنّاع القرار الاقتصادي أن المؤشرات الاقتصادية بحاجة إلى وقت حتى يظهر أثر الإصلاحات عليها، لذلك كانت توقّعاتهم بارتفاع معدّلات التضخّم خلال هذا العام".

وحول الحرب الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة "بصمتٍ" ضد تركيا، يقول مصبَّح: إن "أمريكا ليست وحدها من يشارك في هذه الحرب، بل إن معظم دول الاتحاد الأوروبي يرون من مصلحة بلدانهم زعزعة الاقتصاد التركي؛ وذلك لمعرفتهم بحجم الدور الذي يؤدّيه الاقتصاد في رفع رصيد تركيا بشكلٍ عامٍّ، والرئيس أردوغان بشكلٍ خاص، داخلياً وخارجياً، لا سيما في ظل ما تعانيه دول الاتحاد من ملفات عالقة بشأن الهجرة وقضايا أخرى تخصّ الطرفين".

وحول الموقف الأمريكي المناهض للرئيس التركي، يتابع الاقتصادي أحمد مصبَّح بالقول: "بكل تأكيد وجود أردوغان على سدّة الحكم مع اقتصاد مستقرٍّ ونامٍ يعزّز من مكانته كلاعبٍ أساسيٍّ على الساحة الدولية، وسوف يسند الرجل محلياً ودولياً للاستمرار في مواجهة وانتقاد السياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة".

وعن التناقض المستمرّ في تقارير وكالات التصنيف الائتماني الأمريكية تجاه تركيا قال الخبير الاقتصادي لـ"الخليج أونلاين": "يُلاحَظ أنه لدى وكالات التصنيف مشكلة مع تركيا ورئيسها وليس مع الاقتصاد التركي بعينه؛ فعلى سبيل المثال حذَّر تقرير صادر  عن وكالة فيتش للتصنيف الائتماني قبل يومين، (الاثنين 30 يوليو 2018)، من تدهور الأداء في القطاع المصرفي التركي".

 

وبحسب مصبَّح، أشار التقرير إلى أن: "النظرة السلبية للبنوك التركية تعكس مخاطر متعدّدة في القطاع (..) وإن انخفاض قيمة العملة التركية وارتفاع أسعار الفائدة وتباطؤ النمو الاقتصادي تشكّل مخاطر كبيرة على جودة أصول البنوك وأدائها وتمويلها وسيولتها".

وبحسب مصبَّح، فإن "المفارقة الغريبة هنا أنه عندما حذَّر أردوغان من رفع أسعار الفائدة، ونادى صراحةً وبوضوح بمحاربة هذا التوجه، أصدرت الوكالة تقريراً يحذّر من سيطرة الرئيس التركي على الاقتصاد وعدم استقلاليّة البنك المركزي وضرورة رفع سعر الفائدة، وعندما اتّخذ البنك المركزي التركي قراره برفع أسعار الفائدة للسيطرة على انخفاض الليرة والتضخّم؛ أصدرت الوكالة نفسها تقريراً تحذّر فيه من خطورة رفع أسعار الفائدة وتباطؤ النمو"، وهذا التناقض في تقارير الوكالات الأمريكية خلال الشهر الواحد يزيد الشكوك حول مصداقيّتها.

وحول تأثير تقارير وكالات التصنيف الائتماني الأمريكية في الاقتصاد التركي، يرى مصبَّح خلال حديثه مع "الخليج أونلاين" أن "تأثيرها قويّ نوعاً ما، خصوصاً أن استمرار هذه التقارير السلبية؛ لكون الاقتصاد التركي يعتمد بصورة كبيرة على الاستثمارات الأجنبية والتدفّقات النقدية الأجنبية، وأصحاب رؤوس هذه الأموال تَعتبر وكالات التصنيف بمنزلة مرجع رئيسي لها في اتخاد قرارتها الاستثمارية، لذلك فإن استمرار هذه التقارير يُفاقم من الأزمة".

النظام العالمي.. مشكلة أردوغان

يعزو المحلل الاقتصادي مطالبة الرئيس أردوغان رؤساء دول "بريكس" -الدول الأسرع نمواً اقتصادياً حول العالم- للتعاون وإنشاء وكالة تصنيف ائتماني جديدة بأنه "محاولة منه لخلق واقع جديد وتقليل تأثير وكالات التصنيف (الأمريكية) المسيَّسة".

حيث دعا أردوغان، في كلمته أمام رؤساء كلٍّ من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، خلال اجتماع قمّة للمجموعة، التي استضافتها مدينة جوهنسبورغ بجنوب أفريقيا مؤخراً، بالقول: "بوسعنا التحرّك معاً؛ سواء على صعيد الجهود المستقلّة في إطار بريكس أو في تركيا، بغية إنشاء وكالة تصنيف ائتماني دولية جديدة أكثر عدلاً وحياديّة".

وقال الرئيس التركي: إن "النظام العالمي الحالي لا يُرضي أحداً، باستثناء أقليّة سعيدة من الدول الضامنة لمصالحها"، لافتاً إلى أن "العالم يشهد أزمات اقتصادية كل 10 أعوام تقريباً. وهذا النظام العالمي لا يمكن أن يستمرّ دون إصلاحه في ضوء ظروف عصرنا"، مشدّداً على ضرورة انعكاس ثقل الاقتصادات الصاعدة على النظام العالمي.

مكة المكرمة