دفع الغاز بالروبل.. هل يلوي بوتين ذراع أوروبا أم يناور سياسياً؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/Z4Qrd9

الرئيس الروسي قرر اعتماد الروبل للحصول على ثمن الغاز من أوروبا

Linkedin
whatsapp
السبت، 26-03-2022 الساعة 15:55
- لماذا اتخذ الرئيس الروسي مثل هذا القرار؟

بهدف التخفيف من تأثير العقوبات الاقتصادية بشكل كبير، ودعم العملة المحلية لروسيا.

- ما ردُّ فعل أوروبا بعد قرار بوتين؟
  • شكلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فريق عمل للحد من اعتماد أوروبا على الوقود الروسي.
  • واشنطن ستمد أوروبا بـ15 مليار متر مكعب إضافية من الغاز الطبيعي المسال هذا العام.

طريق التفافي لجأ إليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، للتخلص من العقوبات الأمريكية والغربية أو تخفيف أثرها بشكل كبير ودعم عملة بلاده واقتصادها، بعد إعلانه تحويل مدفوعات إمدادات الغاز نحو أوروبا إلى الروبل بدلاً من الدولار واليورو.

وشكَّل القرار مفاجأة للدول الأوروبية التي تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي ولا تستطيع الاستغناء عنه خلال وقت قصير، فهو سيدفعها إما إلى الاستجابة للقرار ويعني هذا تمويل الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وإما إلى رفضه وستكون حينها القارة العجوز أمام أزمة طاقة فعلية ستستمر عند بعضها عدة سنوات.

قرار مفاجئ

وفي 23 مارس 2022، قال بوتين خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين بثته وسائل إعلام روسية، إن موسكو قررت تحويل مدفوعات إمدادات الغاز نحو أوروبا إلى عملة الروبل في أسرع وقت ممكن.

وأصدر بوتين تعليمات للبنك المركزي الروسي ومجلس الوزراء "لتحديد إجراءات المعاملات مع أوروبا بالروبل الروسي في غضون أسبوع".

وشدد على أنه "لا معنى لتوريد السلع الروسية إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وتلقي المدفوعات باليورو والدولار"، مبيناً أن موسكو اتخذت قرارها الامتناع عن استخدام "عملات الدول غير الصديقة" في نقل الغاز.

وأكد الرئيس الروسي أن بلاده ستواصل توفير إمدادات الغاز بحسب العقود المبرمة، على الرغم من اتخاذ عدد من الدول "قرارات غير قانونية" بتجميد أصول روسيا.

ويطرح الخبراء أسئلة كثيرة حول كيفية مواجهة أوروبا والولايات المتحدة القرار الروسي الجديد، وما إذا كان سينجح في الالتفاف على العقوبات من خلاله، وكيف سيؤثر في أسواق الطاقة العالمية بعد دخوله حيز التنفيذ.

تداعيات مبكرة

بدأت تداعيات القرار مبكراً حتى قبل تنفيذه فقفز الروبل الروسي إلى أعلى مستوى له منذ 3 أسابيع، متجاوزاً 95 روبل مقابل الدولار، قبل أن يستقر قرب 96 روبل.

كما ارتفعت عقود الغاز الطبيعي الأوروبية بصورة حادة عقب تصريحات الرئيس الروسي، لأنها أثارت قلق المتعاملين على العقود الآجلة.

وسجلت أسعار الغاز الأوروبي ارتفاعاً بنسبة 18% (23 مارس 2022)، وعادت وارتفعت بنسبة 5.1% في تداولات اليوم الموالي (24 مارس).

وبحسب تقرير لوكالة "رويترز"، فإن التداعيات المحتملة لهذه الخطوة، يمكن أن تعزز العملة الروسية، حيث لا تزال مجموعة من الدول الأوروبية تعتمد على موسكو في كثير من إمداداتها من الطاقة.

وإذا تم تنفيذ أمر بوتين فسيتعين على أوروبا شراء روبلات تقدر بمئات الملايين من اليوروهات كل يوم لدفع ثمن شحنات الغاز الكبيرة.

ومن وجهة نظر روسيا، من شأن ذلك أن يوفر تدفقاً داخلياً للعملة الصعبة التي تشتد الحاجة إليها ويعزز الطلب على العملة الروسية المحاصرة.

روسيا

وتستورد أوروبا نحو 40٪ من غازها الطبيعي من روسيا، بعقود مسعرة باليورو في المعتاد.

وبلغت قيمة واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي والفحم والنفط القادمة من روسيا نحو 17 مليار يورو (نحو 18.7 مليار دولار) منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا في 24 فبراير الماضي.

ووفق بيانات مركز أبحاث الطاقة والهواء النقي في أوروبا، فإنه منذ 24 فبراير وحتى 21 مارس 2022؛ شكل الغاز الطبيعي المسال ما قيمته نحو 10.6 مليارات يورو، والنفط نحو 5.7 مليارات يورو، والفحم 435 مليون يورو.

وخلال الفترة المذكورة، بلغت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي والفحم والنفط من روسيا ما يقرب من 680 مليون يورو يومياً.

وتخوض أوروبا منذ أسابيع، مساعي مكثفة لخفض الاعتماد على الطاقة الروسية، فقد أعلنت بريطانيا في 8 مارس 2022، اعتزامها وقف واردات النفط الخام والمنتجات البترولية الروسية بحلول نهاية عام 2022.

وفي بيان، الجمعة 25 مارس 2022، قالت وزارة الاقتصاد الألمانية، إنها قررت تخفيض اعتماد البلاد على موارد الطاقة الروسية بشكل حاد وسريع، باستغنائها عن واردات الفحم بحلول الخريف، والنفط بحلول نهاية العام.

وفي اليوم ذاته، أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تشكيل فريق عمل للحد من اعتماد أوروبا على الوقود الروسي.

وتهدف المبادرة التي أعلن عنها الرئيس الامريكي جو بايدن ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في مؤتمر صحفي ببروكسل، إلى إمداد واشنطن للدول الأوروبية بـ15 مليار متر مكعب إضافية من الغاز الطبيعي المسال هذا العام.

وحسب الاتفاق الأوروبي الأمريكي، فإن الاتحاد الأوروبي سيزيد الواردات من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى 50 مليار متر مكعب في السنة على المدى الأطول.

وكان قرار بوتين قد أثار حالة من الغضب والتخبط بين الأطراف الأوروبية، حيث قال وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك: إن "مطلب الرئيس الروسي​ دفع ثمن إمدادات ​الغاز​ بالروبل خرق لعقود التسليم".

وأشار هابيك، بمؤتمر صحفي، في 23 مارس 2022، إلى أنه سيناقش مع الشركاء الأوروبيين رداً محتملاً على إعلان موسكو بشأن مدفوعات الغاز، التي جرت العادة بأن تُدفع بالدولار الأمريكي أو اليورو الأوروبي.

إلى ذلك، صرح المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء الإيطالي، فرانشيسكو جافازي: "برأيي، يجب الدفع باليورو، لأن الدفع بالروبل يعني التحايل على العقوبات، لذلك أعتقد أننا سنواصل الدفع باليورو".

من ناحيته، أكد رئيس وزارة الطاقة البلغارية ألكسندر نيكولوف، أن قرار روسيا دفع ثمن الغاز بالروبل لا يهدد العقد الحالي مع بلغاريا.

وفي موقف ليس بعيداً، قال فاديم تشيبان رئيس شركة "مولدوف غاز" بدولة مولدفيا، إنه اعتباراً من الأول من مايو، نستطيع دفع ثمن الغاز الروسي بالروبل أو اليورو فقط، ولا ينبغي أن تنشأ أي مشاكل.

محاولة لقلب الطاولة

وعلَّق رئيس لجنة مجلس الاتحاد لحماية سيادة الدولة بروسيا، أندريه كليموف، في تصريحات صحفية، على قرار بوتين، قائلاً: إن "القرار سيعزز العملة الوطنية (الروبل) ويوسع استخدامها عالمياً".

وأضاف كليموف: "إذا لم يرغب أحد ما في شراء الغاز بالروبل فلديه فرصة للحصول عليه من أماكن أخرى وبأسعار أخرى".

تقول إلينا ريباكوفا، نائبة كبير الاقتصاديين وخبيرة العقوبات بمعهد التمويل الدولي، في تصريحات لصحيفة "موسكو تايمز": إن "المحللين يرون أنَّ تحرك بوتين محاولة من موسكو للضغط على أوروبا بشأن عقوباتها لتخفيفها أو التوصل لحل بشأنها، أو قلب الطاولة على الاتحاد الأوروبي".

وفي تصريحات للصحيفة الروسية ذاتها، وصفت ماريا شاجينا، زميلة أبحاث زائرة بالمعهد الفنلندي للشؤون الدولية، الإعلان بأنه "منعطف غير متوقع من الكرملين".

وقالت شاجينا: "سوق الغاز الضيق سيجبر العملاء الأوروبيين على الالتزام بهذا (..) هناك نقص في البدائل، وهو ما يعني شراء الروبل، أو البقاء بدون الغاز الروسي".

وفي الإطار ذاته، قال محمد البيشي، مدير تحرير الاقتصاد في قناة "الشرق" بالسعودية: إنه "إذا أصر بوتين على الدفع بالروبل فإن الأوربيين أمام خيارين لا ثالث لهما".

وأضاف البيشي، في تغريدة على "تويتر"، أن الخيارين هما: "إما القبول بالروبل وهذا يعني عدم جدوى كل العقوبات على روسيا، بل إن ذلك يعني أن الغرب سيضطر إلى شراء الروبل لتمويل تكاليف الحرب في أوكرانيا".

وتابع: "الخيار الثاني هو وقف صادرات الغاز الروسي وهذا يعني إغراق أوروبا في أزمة طاقة فعلية".

عقاب روسي لأوروبا

وحول واقعية القرار الروسي ودلالاته، يقول د. حسين البناء، الكاتب في الاقتصاد السياسي: إن "القرار الروسي ليس الأول من نوعه فقد طلب العراق سابقاً دفع ثمن نفطه بعملة اليورو ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء".

وأضاف "البناء" في حديثه لـ"الخليج أونلاين": "كانت روسيا منذ سنوات، تدعو إلى الأمر ذاته، حيث دعت قبل ذلك إلى الدفع بعملة الروبل عوضاً عن الدولار، وقد يتسق ذلك مع رغبات دول أخرى مثل الصين وإيران".

واعتبر أن القرار الروسي جاء في سياق تفاقم الأزمة الأوكرانية وما تبعها من عقوبات مالية واقتصادية هائلة ضد روسيا، "ففي الوقت الذي يريد فيه الغرب معاقبة موسكو بالاستغناء عن نفطها وغازها واستبدالهما فإن روسيا تريد الشيء ذاته كمعاقبة للأوروبيين عن موقفهم الصلب ضد الحرب".

وحسب "البناء"، فإن روسيا بحاجة للدولار الأمريكي كعائد من بيع النفط والغاز؛ لتخفيف آثار العقوبات القاسية عليها، لكنها في الوقت ذاته تريد إجبار المستوردين على دفع الروبل كمدخل لرفع الطلب على عملتها.

روسيا الروبل

وزيادة الطلب على عملة الروبل سيرفع قيمة سعر صرفها أمام العملات الأخرى، وبذلك تمتلك موسكو حق إصدار روبلات أكثر لتغطية حاجة العالم لها لدفع صفقات الطاقة، وبذلك تحقق هدفين معاً: الاستغناء عن الدولار وتقليل الحاجة له والطلب عليه، وتحسين قيمة الروبل ومكانته السوقية عالمياً، كما يرى الخبير الاقتصادي.

وفي جانب آخر من القرار الروسي، فإنه يبدو سياسياً أكثر من كونه واقعياً ويأتي كجزء من المناكفة والتحدي بحسب "البناء"، الذي يضيف قائلاً: إنه "من المعروف عالمياً أن تسعير النفط بالدولار وأغلب صفقات النفط في العالم تتم بالعملة الأمريكية".

كما أن معظم الاحتياطات النقدية بالعالم من الدولار، ومن ثم قد يكون صعباً توفير وصرف مليارات الروبلات لتمويل الصفقات القادمة من النفط والغاز، حيث إن عقود التوريد بعيدة الأجل وتم عقدها بالدولار، وفق "البناء".

وإضافة إلى ذلك فإن من مصلحة دول العالم، كما يقول الكاتب الاقتصادي، استقرار قيمة الدولار؛ لأن انخفاضه سيعني تراجع قيمة الموجودات لديها.