"شعبوية" ترامب.. فرصة للصين لإيقاع "كارثة" باقتصاد أمريكا

قد تشكل "الحمائية" و"الانعزالية" وصفة مثلى لكارثة اقتصادية

قد تشكل "الحمائية" و"الانعزالية" وصفة مثلى لكارثة اقتصادية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 08-02-2017 الساعة 12:23


خططت واشنطن لمشروعات كثيرة ومتنوعة تعيد من خلالها نفوذها في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، لكن مشروع "حزام واحد.. طريق واحد" أو ما يعرف بـ"طريق الحرير الجديد" الصيني، بدأ يكتسب أهمية بالغة في ظل تبني إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لـ"الحمائية التجارية" أو ما يطلق عليها بـ"الشعبوية" المتمثلة بسياسة "أمريكا أولاً".

- تراجع وصعود

وفي ظل تراجع يبدو واضحاً لسياسة واشنطن إقليمياً ودولياً، شرعت بكين بتركيب نظام الاقتصاد العالمي الجديد، لتحل بديلاً عن أمريكا، وذلك بالتعاون مع دول اقتصادية مؤثرة عالمياً؛ منها روسيا وتركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، من خلال إقامة منتدى "الحزام والطريق" في مايو/أيار المقبل، إذ قررت مبدئياً 20 دولة المشاركة فيه، بحسب وزارة الخارجية الصينية.

ويوماً بعد يوم، تُثبت العديد من التقارير الاقتصادية والمنظمات التجارية الدولية أن تبني الرئيس ترامب لقرارات "معادية للعولمة"، قد يفضي إلى عودة الولايات المتحدة للعزلة الدولية مجدداً، في ظل ملاحقة إدارة "رجل الأعمال" مصالح واشنطن الوطنية، التي ربما تقود إلى نزاع تجاري دولي كبير في نهاية المطاف.

ومع تراجع سياسة إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، وتصريحات ترامب حول مستقبل علاقاته بالخليج، أخذت دول المجلس تراجع ملفاتها الاقتصادية والأمنية والتجارية مع واشنطن، وتسير بحذر كبير تجاه أطماع إدارة "رجل الأعمال".

لكن زيارة ولي ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى واشنطن في 13 مارس/آذار، وجولة العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، التاريخية في العديد من دول قارة آسيا، وتوقيع عدد من الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية خصوصاً مع بكين وطوكيو، قد تمثل رسالة غير مباشرة للإدارة الأمريكية مضمونها أن دول الخليج لم تعد كما كانت سابقاً، ولن تضع "بيضها في سلة واحدة"، كما يقول المثل العربي، ولتبحث عن بيئة آمنة لمواردها الاقتصادية والأمنية، ولتبتعد عن التهديدات السياسية التي تطلقها الأحزاب والحكومات "العنصرية" و"الشعبوية" المتطرفة بين الحين والآخر.

ومع توقيع ترامب أمراً تنفيذياً بانسحاب بلاده من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، التي تمنح حرية التجارة بين الدول الموقعة عليه؛ وهي: أستراليا وبروناي وكندا وتشيلي وماليزيا والمكسيك ونيوزيلندا وبيرو والولايات المتحدة وسنغافورة وفيتنام، بدأت ملامح الصراع والنفوذ التجاري تظهر للعيان مع تراخي العلاقات التجارية الأمريكية-الصينية، عقب التحركات والمواقف العدوانية المبكرة لـ"الرجل المتهور" وإدارته.

- الحزام والطريق

ثمة أسماء كثيرة تداعب مخيلة صناع القرار في بكين لتحقيق حلمها الأسطوري المتمثل في ربط قارة آسيا ومنطقة الشرق الأوسط بأوروبا عبر "طريق الحرير"، وفق "مبادرة الحزام والطريق"، التي تقوم على تسهيل التجارة مع 65 بلداً تمثل 60% من سكان العالم.

ومبادرة "حزام واحد.. طريق واحد"، هي خطة أطلقتها اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح الصينية بالتعاون مع وزارة التجارة في الصين، تسعى إلى تعزيز الترابط الإقليمي بين منطقتي وسط وغرب آسيا ومنطقة الشرق الأوسط وأوروبا، وكذلك بحث بكين عن نفوذ جديد ودور أكبر في الأسواق العالمية للحفاظ على النمو السريع والمتوازن لاقتصادها، في ظل تبني واشنطن سياسات اقتصادية قد تساعد في تحقيق هدف بكين.

وتعيد المبادرة إحياء للطريق التجاري القديم، وإقامة لحزام اقتصادي دولي، ويعتبر المشروع واحداً من أكبر مشاريع القرن، إذ يساهم الطريق بشكل كبير في ربط مختلف أجزاء الكرة الأرضية، في ظل صعود للأحزاب الشعبوية المتطرفة واليسارية أو اليمينية المناهضة لنظام العولمة، والداعية غالباً إلى العزلة الدولية أو "الشعبوية"، التي قد تؤدي إلى إشعار حرب تجارية عالمية، بالتزامن مع تفكك الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو.

اقرأ أيضاً :

الشيخة حصة آل ثاني: قطر تتكفل بتحقيق "الحلم السوري" رياضياً

وحذر أوباما ترامب بشكل غير مباشر، خلال القمة السنوية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، من التخلي عن هذه الاتفاقية؛ معتبراً أن ذلك سيفتح طريقاً واسعاً للمبادرة الصينية المطروحة، وهذا قد لا يكون بالضرورة مفيداً للولايات المتحدة، إلا أن ترامب ضرب بتحذيرات الرئيس السابق عرض الحائط ووقع قرار إلغاء الاتفاقية، وهو ما اعتبرته بكين فرصة ذهبية لتنفيذ مشاريع اقتصادية عملاقة تعزز نفوذها عالمياً.

وقال المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية، لو كانج، إن إقبالاً واضحاً على الحضور دليل على أهمية المنتدى وانعكاس للتأييد الكبير الذي تحظى به مبادرة الحزام والطريق، مشيراً إلى اهتمام المجتمع الدولي من خلال دعم أكثر من 100 دولة ومنظمة دولية للمبادرة، وتوقيع أكثر من 40 دولة ومنظمة عالمية اتفاقيات تعاون ذات صلة بالمبادرة مع بكين.

رئيس مجلس الدولة في الصين، يانج جيه تشي، أكد في تصريحات نشرتها صحيفة "تشاينا ديلي" الرسمية، الجمعة 3 فبراير/شباط الماضي، أن مبادرة "حزام واحد.. طريق واحد" التي تدعو لإقامة مشاريع بنية أساسية على طول أراضٍ تاريخية وممرات تجارية بحرية تساعد في "مواءمة تطور الصين مع تطور دول أخرى".

وقال تشي إن "المنافع المشتركة" لمشروع طريق الحرير تتناقض مع ارتفاع "الأصوات المناهضة للعولمة"، والتحول نحو "الانعزالية والتفكير الذي عفا عليه الزمن واتفاقيات التجارة المفككة"، في إشارة إلى إدارة وقرارات الرئيس ترامب.

- حماية مقابل دفع

ويرى العديد من المحللين والخبراء في الاقتصاد الدولي، أن "شعبوية" ترامب تحاول إجبار حلفاء أمريكا على دفع مزيد من الأموال لواشنطن مقابل حمايتهم وللدفاع عن أنفسهم، ورغم ذلك تبقى حماية الولايات المتحدة لحلفائها موضع شك، إذ يدفع ملاحقة واشنطن لمصالحها المحلية على حساب الحلفاء نحو الانعزال دولياً، ما قد يؤثر بشكل كبير على الأمن والاقتصاد الأمريكي.

وسبق أن تبنت أمريكا سياسات مماثلة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وهو ما يقول المؤرخون إنه ساعد في غرس بذور الحرب العالمية الثانية، من خلال فرض تدابير الحماية المسماة بقانون "سموت هاولي" للتعريفة الجمركية، الذي فُرض على آلاف السلع المستوردة، وأشعل القانون شرارة الحروب التجارية الثأرية وحروب العملة.

وتسارع الصين نحو تعزيز روابطها الاقتصادية في آسيا وأوروبا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية من خلال مبادرة "حزام واحد.. طريق واحد"، والمشاركة في تأسيس البنك الآسيوي لاستثمارات البنية الأساسية والتنمية، بالإضافة إلى خطط التجارة الإقليمية الحرة، التي تعتبر منافسة للشراكة عبر المحيط الهادئ.

وقد تمهد خطط بكين، مع انكفاء واشنطن نحو "الانعزالية"، لنهوض قوى عالمية جديدة تهدد المصالح الدولية، إذ يرى مراقبون أن سياسات الحماية والانعزالية و"أمريكا أولاً" وصعود الأحزاب اليمينية المتطرفة قد تكون "وصفة مثلى لكارثة اقتصادية وعسكرية قادمة".

- رحلة بكين لندن

وتجسيداً لنجاح مشاريع بكين العملاقة نحو قارة آسيا الوسطى والقارة العجوز، وصل الأربعاء 18 يناير/كانون الثاني الماضي، إلى لندن أول قطار بضائع يربط مباشرة الصين بالمملكة المتحدة، بعد رحلة استمرت 18 يوماً بلغ طولها 12 ألف كيلومتر.

وانطلق القطار في الأول من يناير/كانون الأول الماضي من مدينة يويو الصناعية جنوب بكين، ثم عبر كازاخستان وبيلاروسيا وبولندا وألمانيا وبلجيكا وفرنسا، قبل عبور نفق المانش إلى بريطانيا، حيث سار القطار ببطء شديد لدى وصوله ليشق لافتة كبيرة كتب عليها "أول قطار بضائع من الصين إلى المملكة المتحدة يناير 2017"، قبل أن يُنثر عليه سيل من القصاصات الملونة.

مكة المكرمة