طباعة "أوراق النقد" في الجزائر.. بين حل الأزمة المالية وتعقيدها

الاحتياطي النقدي تهاوى جراء تهاوي أسعار النفط

الاحتياطي النقدي تهاوى جراء تهاوي أسعار النفط

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 15-09-2017 الساعة 11:36


بينما كان الجزائريون ينتظرون من الحكومة طرح بدائل تمويلية جديدة تغنيهم عن "المعاملات الربوية"؛ على غرار التمويل التشاركي الإسلامي، جاء تعديل قانون "القرض والنقد" المنتظر في بند واحد فقط، ليفتح بذلك الأبواب أمام التمويل غير التقليدي.

وحسبما جاء في وثيقة مخطط عمل الحكومة، والذي سيعرض على نواب البرلمان (الأحد 17 سبتمبر 2017)، فإن "الحكومة تعتزم في سبيل مواجهة الآثار الاقتصادية التي تسبّبت بتراجع دخل الدولة، إقرار جملة إجراءات لتحسين الحكامة (الإدارة) المالية، عن طريق عصرنة (تطوير) إدارة المالية والجبائية، وتطوير القطاع البنكي، مع إقرار اللجوء الاستثنائي للتمويل غير التقليدي الموجه حصرياً لميزانية الاستثمار".

الإجراء الذي صادقت عليه الحكومة يهدف إلى "السماح لبنك الجزائر بإقراض الخزينة العمومية بشكل مباشر لتمكينها من مواجهة العجز في ميزانية الدولة، وتحويل بعض ديونها لدى البنوك أو المؤسسات العمومية، ومنح موارد للصندوق الوطني للاستثمار".

ومع تهاوي أسعار النفط بداية 2014، دخلت الجزائر أزمة اقتصادية خانقة، حيث تعاني البلاد من تبعية كبيرة لإيرادات النفط، التي تشكّل أكثر من 95% من دخلها من العملة الصعبة، وقد هوت الإيرادات الحكومية من 60 مليار دولار في 2014 إلى 27.5 مليار دولار مع نهاية 2016.

وخلال ثلاث سنوات، فقدت الجزائر أكثر من 80 مليار دولار من احتياطها النقدي، الذي تراجع من نحو 193 مليار دولار نهاية 2013 إلى 105 مليارات دولار، نهاية أغسطس الماضي.

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، أكد خلال ترؤسه مجلس الوزراء، في 8 سبتمبر الجاري، أن اللجوء إلى التمويل غير التقليدي "سيسمح للجزائر بتفادي توقيف مسار تنميتها، وتفادي تراجع النمو، الذي قد يكون خطيراً ليس على المستوى الاقتصادي وحسب، وإنما على المستوى الاجتماعي أيضاً".

لكن أصواتاً مناهضة لهذا التوجه حذّرت من تداعيات هذه الخطوة، وتوقع خبراء أن تشهد البلاد ارتفاعاً غير مسبوق في التضخم، وانهياراً كلياً للعملة المحلية، ومزيداً من عجز الموازنة.

- مخاطر حقيقية

التمويل غير التقليدي في برنامج الحكومة يعني الاعتماد على التمويل من خلال طباعة أوراق نقدية، أو ما يسمى الإصدار النقدي دون تغطية، وفي الدول التي تمتلك أنظمة مالية قوية لا تطبع النقود إلا بقدر ما يقابلها من احتياطي الذهب، أو بحسب قوة الاقتصاد، وما يقابلها من إنتاج فعلي للسلع والخدمات في البلاد، أو احتياطي النقد الأجنبي.

وفي الجزائر، يمنع قانون القرض والنقد في نسخته القديمة تغطية البنك المركزي لعجز الخزينة بأكثر من 10%، ومن ثم فقد قفز التعديل الأخير على هذا القيد.

وفي حديثه لـ "الخليج أونلاين"، أوضح ناصر حمدادوش، رئيس الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم (حمس)، أن "التعديل الذي طال قانون القرض والنقد هو "تعديل جزئي ووقتي يمسّ مادة واحدة فقط هي المادة 45، ولمدة 5 سنوات كإجراء استثنائي".

هذا الإجراء الذي يسمح للبنك المركزي بطباعة المزيد من الأوراق النقدية لتمويل عجز الميزانية، وشراء المديونية الداخلية، وتمويل الصندوق الوطني للاستثمار، برأي حمدادوش، هو "إجراء عادي ومعمول به في العديد من الدول، إلا أنه في الحالة الجزائرية ينطوي على مخاطر حقيقية".

ويرى حمدادوش أن الظروف والشروط التي تجعله حلّاً وليس أزمة ما زالت غائبة؛ نظراً لعدم وجود اقتصاد حقيقي، وهو ما يؤدي حتماً إلى السقوط الحرّ لقيمة العملة الوطنية، وارتفاع نسبة التضخم، والانهيار الكلي للقدرة الشرائية للمواطن، ما يستتبع توترات وانهيارات اجتماعية خطيرة.

اقرأ أيضاً :

المصارف الإسلامية في الجزائر.. عوائق وقوانين تعترض توسّعها

- قيمة العملة

الدينار الجزائري فقد نحو 15% من قيمته مقابل العملة الأوروبية الموحدة (اليورو)، منذ مطلع العام الجاري، ويأتي هذا في وقت أعلن فيه محافظ البنك المركزي الجزائري، محمد لوكال، سابقاً، أن العملة المحلية "فقدت 20% من قيمتها أمام الدولار".

وخلال الأسبوع الفائت، هوى الدينار الجزائري لأدنى مستوى له منذ أعوام مقابل العملات الرئيسية، وفي مقدمتها اليورو، الذي قفز لأعلى مستوى في تاريخه في السوق الرسمية ليصل إلى 133.20 ديناراً مقابل 82.25 ديناراً نهاية 2008.

أما سعر صرف الدولار فيخضع للتحديد الإداري، ويعتمد على أسعار النفط من طرف بنك الجزائر، وقد حُدّد بدولار واحد مقابل 108 دنانير لمدة ثلاث سنوات ما بين 2017 و2019، وبناء على سعر مرجعي للنفط حدّد بـ 50 دولاراً للبرميل.

وعن الحلول البديلة لتجاوز الوضع الحرج الذي يمرّ به اقتصاد البلاد، يشدد حمدادوش على ضرورة الذهاب إلى بدائل حقيقية؛ مثل المصارف الإسلامية، وإجراءات الثقة لامتصاص الكتلة النقدية في السوق الموازية، والتي تقدّر بنحو 40 مليار دولار، فضلاً عن الصرامة في تحصيل الضرائب من الشركات والمؤسسات الكبرى، ومحاربة الفساد، مثل تهريب العملة بعشرات ملايين الدولارات؛ عبر تضخيم الفواتير.

وتوقع حمدادوش أن تتجه الحكومة رأساً إلى العجز عن تسديد أجور العمال في الأشهر القليلة المقبلة، لذلك هي تسارع، برأيه، إلى "حلول سهلة"، دون النظر إلى قيمة العملة، وهي "مغالطات مفضوحة، لا تلبث أن تكشفها الأيام القادمة".

- حلول وبدائل

في المقابل، يشدد الخبير الاقتصادي ناصر سليمان، على أن الحل "يكمن في العمل على إصلاح ضريبي حقيقي وشامل"، مشيراً إلى أن نسبة تسديد الضريبة في الجزائر "ضعيفة جداً مقارنة بالدول المتقدمة".

ويضيف سليمان في حديثه لـ "الخليج أونلاين"، أن الحل يكون عن طريق عصرنة ورقمنة النظام الجبائي، ومحاربة الأسواق الفوضوية والموازية، أو إجبار أصحابها على دفع الضرائب مثل البقية.

ولا يعني ما سبق، برأي سليمان، "فرض المزيد من الضرائب لإرهاق المواطن وقتل النشاط الاقتصادي، وإنما محاربة التهرّب الضريبي الكبير"، فهذا الإجراء وحده "قادر على جلب مليارات الدنانير للخزينة العامة، في حين أن العجز في ميزانية 2017 يقدر بنحو 1200 مليار دينار (أكثر من 11 مليار دولار)، حسب قوله.

كما نوّه المحلل الجزائري بأهمية طرح الصكوك الإسلامية، بعد توفير الغطاء القانوني لها مثل معظم الدول الإسلامية بما فيها دول الجوار، إضافة إلى استرجاع الثقة في مثل هذه المبادرة؛ بعرض هذه الأداة على علماء ثقات ومحترمين لدى الشعب الجزائري ليصدروا فتواهم فيها بأنها حلال، وبشرط أن تتوجه للمشاريع الإنتاجية أو على الأقل لميزانية التجهيز.

وأكد سليمان أن الشعب الجزائري "سيتخوّف ويتردّد في البداية، ثم يتم الإقبال عليها بشكل عادي"؛ فالصكوك الإسلامية (خاصة السيادية)، حسب قوله، "أصبحت أداة لتمويل مشاريع البنية التحتية والمشاريع العملاقة في الخليج وفي ماليزيا، وهي المشاريع التي تنوي الدولة توقيف تمويلها لنقص الموارد المالية".

تتزايد المطالب بضرورة توسيع نشاط البنوك الإسلامية في الجزائر؛ للاستفادة قدر الإمكان من خدماتها في عمليات الادّخار والقروض وتمويل المشاريع، لكن ثمة عوائق إدارية تعترض إيجادها فعلياً في السوق البنكية.

ومنذ تأسيس أول بنك إسلامي بالجزائر، في أبريل 1990، والبنوك الإسلامية تواجه عقبات تحول دون انتشار المؤسسات المالية المُلتزمة؛ كمحدودية عددها بالسوق، وانتشارها في المناطق الداخلية بالبلاد، إلى جانب افتقارها إلى نظام تشريعي وتنظيمي.

مكة المكرمة