عجز الموازنات الخليجية .. هل تدفع التنمية الاقتصادية الثمن؟

انخفاض أسعار النفط أدى إلى عجز في الموازنات

انخفاض أسعار النفط أدى إلى عجز في الموازنات

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 02-02-2015 الساعة 12:55


أدى تراجع أسعار النفط العالمية إلى أكثر من 50 بالمئة عما كانت عليه قبل ست سنوات إلى خسارة الدول المصدرة للنفط مبالغ كبيرة من الإيرادات المالية.

انعكست هذه الخسارة بشكل سلبي على إقرار الموازنات الخليجية العامة للعام الجاري 2015 التي تعتمد أكثرها بشكل عام على النفط، ما أدى إلى توقف العديد من مشاريع التنمية الاقتصادية التي كان مزمعاً إنجازها في هذه الدول، بل إنّ العجز المسجل في موازناتها والذي يقترب من 80 مليار دولار أثر بشكل سلبي على مشاريعها وخططها المستقبلية وساهم في نقص احتياطياتها من النقد الأجنبي.

نمو الاقتصاديات الخليجية

رغم الانخفاض الكبير في أسعار النفط إلا أن موازنات دول الخليج الست توقعت أن تسجل نمواً إيجابياً في اقتصاياتها للعام الجاري 2015، وجاء الاقتصاد القطري في المرتبة الأولى بنسبة نمو بلغت 8 في المئة، مرتفعاً عن نسبة 6.5 بالمئة في عام 2014 فيما يتوقع نمو اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة بـ 4.5 في المئة، وبلغ نمو الاقتصاد السعودي نمواً قدره 2.8 في المئة خلال العام الجاري، مقارنة بـ 3.6 في المئة خلال العام الماضي.

أما الكويت، فمن المتوقع أن تسجل نمواً بـ1.7 في المئة في عام 2015؛ ليرتفع إلى 1.8 في المئة في عام 2016، وذلك مقارنة بنمو 1.3 في المئة فقط في عام 2014.

وفي سلطنة عمان سجل معدل النمو فيها نحو 4.5 في المئة؛ كما توقع صندوق أن يحقق الناتج المحلي الإجمالي للبحرين نمواً فعلياً قدره 2.9 بالمئة في 2015.

عجز الموازنات

تأتي المملكة العربية السعودية في مقدمة الدول الخليجية التي سجلت أكبر عجز في موازنتها للعام الجاري 2015، إذ بلغت قيمة العجز نحو 38.7 مليار دولار هو يشكل نحو 16 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2015 مقابل فائض بنسبة 1.1 في المئة في عام 2014.

وجاءت الكويت في المرتبة الثانية في قيمة العجز المسجل حيث بلغ 27.8 مليار دولار، على أساس تقدير سعر برميل النفط بـ45 دولاراً، وحجم إنتاج 2.7 مليون برميل في اليوم.

وجاءت في المرتبة الثالثة سلطة عمان التي سجلت عجزاً في موازنتها بلغت قيمته 6.47 مليارات دولار، أما البحرين التي جاءت في المرتبة الأخيرة فمن المتوقع أن تسجل عجزاً في الموازنة بنسبة 5.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للعام الجاري 2015.

أما الاقتصاد الذي لم يسجل أي عجز فهو الاقتصاد القطري.. وعليه فإن عجز الموازنات الخليجية يقترب من 80 مليار دولار.

وأشار البنك الدولي في آخر تقرير صدر عنه إلى أن موازنات دول مجلس التعاون الخليجي الست ستسجل نسب عجز متفاوتة، عندما يبلغ متوسط سعر برميل النفط 65 دولاراً، وقد يصل عجز الموازنة السعودية إلى 1.9 في المئة من الناتج المحلي والبحرين 5.3 في المئة وقطر 7.4 في المئة والإمارات 3.7 في المئة، في حين تحقق الكويت فائضاً بنسبة 3.1 في المئة، وسلطنة عمان بأعلى نسبة قد تصل إلى 11.6 في المئة.

تمويل العجز

من المعروف أن دول مجلس التعاون الخليجي لديها احتياطيات مريحة من النقد الأجنبي، وإن كانت غير معروفة بدقة كم تبلغ سواء أكانت أصولاً مادية أم استثمارات في المحافظ السيادية أو ما لدى المصارف المركزية من النقد الأجنبي.

وليس من العسير تمويل عجز الموازنات الخليجية من خلال السحب من الاحتياطي، فقد بلغت قيمة الاحتياطيات الأجنبية لدول المجلس مجتمعة نحو 75 مليار دولار عام 2000 ارتفعت إلى نحو 800 مليار دولار عام 2011، ويتوقع أن تقترب من 900 مليار عام 2013.

أما الخيار الآخر لسد العجز في الموازنات الخليجية فيمكن أن يأتي من خلال إصدار صكوك أو سندات حكومية لمدد طويلة والذي يأتي في إطار الدين العام الداخلي.

لكن صندوق النقد قال في 21 يناير/ كانون الثاني 2015 في تقرير له إن احتياطيات دول الخليج قادرة على تمويل عجز موازناتها لمدة 5 سنوات، وأكد مسعود أحمد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي، إن غالبية دول الخليج لديها احتياطيات مالية قادرة على تمويل العجز في الموازنة حالة استمراره على مدار الأربع أو الخمس سنوات القادمة.

وتشير قاعدة بيانات البنك الدولي لعام 2013 إلى أن دول الخليج الست، لديها احتياطيات من النقد الأجنبي المقومة بالدولار الأمريكي ما قيمته 904.1 مليار دولار، وأن المملكة العربية السعودية وحدها تستحوذ على النصيب الأكبر من هذه الاحتياطيات بقيمة 737.7 مليار دولار، وبما يعادل 81.5 في المئة من قيمة إجمالي احتياطيات الخليج من النقد الأجنبي.

وتوقع صندوق النقد الدولي فى تحديث لتوقعات آفاق الاقتصاد العالمي لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، تحول الفائض في المالية العامة في دول مجلس التعاون الخليجي والذى بلغ 4.6 في المئة من الناتج المحلى الإجمالي لهذه الدول فى عام 2014 إلى عجز قدره 6.3 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في 2015 بانخفاض قدره 11 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي.

وخفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الدول المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا في 2015 إلى 3 في المئة بانخفاض 0.9 في المئة عن توقعاته السابقة الصادرة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

في حين خفض توقعاته لنمو الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي (البحرين والكويت وعمان وقطر والسعودية والإمارات) فى العام الجاري إلى 3.4 في المئة بانخفاض 0.1 في المئة مقارنة بالتوقعات السابقة الصادرة في أكتوبر/ تشرين الأول.

وتوقع الصندوق في تقريره انخفاض فوائض الحسابات الجارية (صافي صادرات السلع، والخدمات، وصافي الدخل، وصافي التحويلات الجارية) في 2015 بدول مجلس التعاون الخليجي إلى 1.6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

خسائر الدول الخليجية

أكد البنك الدولي أن دول مجلس التعاون الخليجي الست ستتكبد خسائر تبلغ 215 مليار دولار، خلال الـ 6 أشهر القادمة، في حال استمرار أسعار النفط بحدود 50 دولاراً للبرميل، أي أكثر من 14 في المئة من إجمالي ناتجها المحلي مجتمعة.

فيما توقع صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي، أن تصل خسائر دول مجلس التعاون المصدرة للنفط إلى 300 مليار دولار أو 21 في المئة من إجمالي الناتج المحلي مدفوعة بتواصل تراجع الأسعار.

وأشار البنك الدولي في تقرير أصدره في الثلاثين من يناير/ كانون الثاني الماضي إلى أن إيرادات النفط بدول الخليج شكلت أكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي و75 في المئة من إجمالي عائدات صادراتها في عام 2013، ما يجعل هذه الدول أكثر عرضة لتقلبات السوق، والأكثر تضرراً من تبعات تراجع أسعار النفط.

وقال التقرير، إن عائدات دول الخليج تجاوزت في المتوسط نفقاتها، لكن ربما يؤدي ارتفاع الإنفاق الحكومي وتراجع أسعار النفط إلى تغيير المسار، ومن الممكن أن يتحول الفائض في الموازنة المجمّع، والذي بلغ نحو 10 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2013، إلى عجز نسبته 5 في المئة من الإجمالي.

أثر انخفاض الأسعار على التنمية

على الرغم من الخسائر الهائلة التي سبهها انخفاض أسعر النفط للدول المصدرة لهذه السلعة الاستراتيجية، إلا أن هذا الانخفاض كان له أثر إيجابي على دول الخليج، فقد دفعها إلى خفض الإنفاق العام وترشيده، وإعادة النظر في الدعم المرهق لموازناتها، وعليه القيام بإصلاحات مالية هيكلية هي بحاجة إليها لتقليل الاعتماد على عائدات النفط وتنويع مصادر الدخل.

وقال البنك الدولي إن دول الخليج رغم تمتعها باحتياطيات مالية كبيرة لتغطية أي عجز، فإن هناك مؤشرات على أن حكومات المنطقة بدأت تعيد النظر في إنفاقها، وتتجه إلى تنويع مصادر دخلها.

وعند استقراء الواقع الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي فإن الآثار التي خلفها انهيار أسعار النفط بين دول المجلس الست كانت متفاوتة بقدر اعتماد كل دولة على عوائد النفط في دخلها القومي، وإن كانت جميعها قد تأثرت بنسب مختلفة إلاّ أنها تتطلع لسد العجز في موازينها لسنة 2015 على مصدرين أحدهما السحب من الاحتياطي النقدي، والآخر الاقتراض الداخلي بالصكوك أو السندات.

ما يمكن قوله في ختام هذا الاستعراض إن انخفاض أسعار النفط في الوقت الذي يبدو فيه نقمة على الدول الخليج المصدرة للنفط فإنها في باطنها تعتبر نعمة لحفز الدول الخليجية على تنويع مصار دخلها واقتصادها.

مكة المكرمة