عمالقة الاقتصاد العالمي ينقلون صراع النفوذ إلى القارة السمراء

القوى الاقتصادية تتسابق على امتلاك الاستثمارات بأفريقيا

القوى الاقتصادية تتسابق على امتلاك الاستثمارات بأفريقيا

Linkedin
whatsapp
الثلاثاء، 19-12-2017 الساعة 21:39


لم يعد النزاع على النفوذ الاقتصادي في الشرق الأوسط بذات الشراسة التي كان عليها خلال سنوات طويلة من القرن الماضي، خاصة بعدما تحوّلت المنطقة إلى بؤرة للحروب الداخلية وأُنهكت مواردها الطبيعية.

وفي العقد الأخير، دخلت القوى الاقتصادية في سباق محموم على امتلاك الاستثمارات بأفريقيا، التي تعدّ صيداً ثميناً؛ فهي غنية بالموارد والثروات الطبيعية غير المستغلَّة، وسكان معظم دولها يتلهّفون لمن ينتشلهم من ظروفهم المعيشية القاسية.

اقرأ أيضاً :

بتشجيع فرنسي ودعم إماراتي.. أفريقيا جبهة جديدة لمحمد بن سلمان

ووفق تقارير اقتصادية دولية وأفريقية، فقد تضاعفت قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القارة السمراء بنحو خمس مرات مقارنة بالعام 2000.

وقالت منظمة التجارة والتعاون الاقتصادي الدولية، نوفمبر الماضي، إنه منذ 10 سنوات أخذت الاستثمارات الأجنبية في أفريقيا حصة متزايدة من حجم التدفّقات، وانتقلت قيمتها الإجمالية من 33 مليار دولار عام 2002، إلى 128 مليار عام 2016.

ولم يستبعد تقرير مشترك صادر في نوفمبر الماضي، عن منظمة التجارة والتعاون الاقتصادي والبنك الأفريقي للتنمية، أن تصل قيمة الاستثمارات الأجنبية في القارة الأفريقية إلى نحو 180 مليار دولار مع نهاية العام 2017.

وتركز الاستثمارات الأجنبية الأفريقية، وفق منظمة التجارة والتعاون الاقتصادي، على الصناعات التحويلية، والنقل والاتصالات، والبنى التحتية، والطاقة والكهرباء، والتكنولوجيات الحديثة، إضافة للعمليات الأحفورية؛ مثل استخراج المعادن الثمينة والطاقة والمواد الأولية، علاوة على شؤون الحياة اليومية والصناعات الاستهلاكية.

ويسيطر على تلك الاستثمارات الضخمة عددٌ محدود من الدول التي تتصارع بشراسة لكسب المزيد منها لتوسيع أرباحها ومناطق نفوذها.

ووفقاً لتقرير أصدرته مؤسسة "إف دي أي إنتليغنس"، التابعة لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، فإن أفريقيا استحوذت خلال العام 2016 على نحو 80% من حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة على مستوى العالم.

وأشارت إلى أن الولايات المتحدة تملك 93 مشروعاً في أفريقيا، تليها بريطانيا بـ 76 مشروعاً، وفرنسا بـ 53 مشروعاً، والإمارات بـ 45 مشروعاً، وألمانيا بـ 37 مشروعاً، والهند بـ 37 مشروعاً.

كما تملك الصين 32 مشروعاً استثمارياً في أفريقيا، وكينيا 32 مشروعاً، وتستثمر جنوب أفريقيا بدول قارتها بـ 28 مشروعاً، وتحلّ لوكسمبورغ في ذيل قائمة الدول العشر الأكثر استثماراً بأفريقيا بـ 16 مشروعاً.

وتملك دول أخرى، بينها تركيا وإسرائيل والمغرب، 256 مشروعاً استثمارياً في أفريقيا، ليبلغ مجموع المشروعات الأجنبية بدول القارة 705 مشاريع.

اقرأ أيضاً :

حضور عربي لافت في قوائم المرشحين لجوائز "الأفضل" أفريقياً

وعلى صعيد الدول الأفريقية الأكثر جذباً للمشاريع الاستثمارية، فإن جنوب أفريقيا تحلّ أوّلاً باستقبالها 118 مشروعاً، وتليها كينيا بـ 85 مشروعاً، ثم المغرب بـ 71 مشروعاً، ومصر بـ 59 مشروعاً، ونيجيريا بـ 51 مشروعاً، بحسب تقرير "إف دي أي إنتليغنس".

كما يوجد في غانا 40 مشروعاً استثمارياً أجنبياً، و29 مشروعاً في موزمبيق، و27 في إثيوبيا، و26 بساحل العاج، و20 في تنزانيا، ومثلها في أوغندا.

وتعدّ الصين أكبر مستثمر في أفريقيا من حيث قيمة المشاريع، فهي تملك مشروعات تبلغ قيمتها 200 مليار دولار.

وتشير بيانات وزارة التجارة الصينية إلى أنه بخلاف الاستثمارات، فإن حجم التبادل التجاري مع الدول الأفريقية ارتفع في الربع الأول من العام 2017 إلى 38.8 مليار دولار، أي بنسبة 16.8% عما كان عليه في 2015.

وفي سباق الاستثمار بأفريقيا تحل الولايات المتحدة ثانياً؛ بامتلاكها استثمارات تتجاوز قيمتها الـ 100 مليار دولار، بينما يصل حجم التبادل التجاري بين أمريكا ودول أفريقيا إلى 85.16 مليار دولار، بحسب بيانات وزارة التجارة الأمريكية.

وإضافة إلى الصين والولايات المتحدة، فإن الهند تمتلك استثمارات قوية في دول أفريقيا تبلغ قيمتها 70 مليار دولار.

كما تملك بريطانيا استثمارات بقيمة 30 مليار دولار، وتستثمر فرنسا أيضاً نحو 30 مليار دولار بمشروعاتها في أفريقيا.

تركيا أيضاً بات لها وزن استثماري ثقيل في أفريقيا بامتلاكها مشاريع قيمتها 6 مليارات دولار، وكذلك مصر التي وصلت استثماراتها إلى 7.9 مليارات دولار.

كما تحتل الإمارات مركزاً متقدماً بالاستثمار في أفريقيا، حيث تملك مشروعات في جنوب أفريقيا وإثيوبيا تصل قيمتها إلى قرابة 6.8 مليارات دولار.

أما المملكة المغربية فتأتي بالمرتبة الأولى في لائحة المستثمرين من داخل القارة، بامتلاكها استثمارات بأكثر من 8 مليارات دولار.

إسرائيل أيضاً نجحت في التغلغل في القارّة، فحجم تبادلها التجاري مع دول أفريقيا يصل إلى ملياري دولار سنوياً، وتخطّط ليصل حجم استثمارها الزراعي في القارّة إلى 40 مليار دولار، بحسب تقرير نشرته مؤخراً صحيفة "إسرائيل اليوم".

وتنعكس كل تلك الأرقام على الواقع الاقتصادي الأفريقي؛ فقد توقّعت مؤسسة "أوكسفورد يونفرستي بريس" (أكبر جامعة للصحافة في العالم)، في تقرير أصدرته في 29 نوفمبر الماضي، أن تكون أفريقيا قارّة المستقبل؛ لأنها ستتوفر فيها ثروات بشرية تتجاوز بليوني نسمة، وطبقة متوسطة عريضة بحجم 1.4 بليون شخص، ومواد طبيعية كبيرة.

وأوضحت أنه بفضل النمو الاقتصادي المرتفع سيزيد الدخل الفردي في أفريقيا 6 مرات، ويتراجع الفقر 10 مرات.

معهد "ماكينزي" العالمي (مقره الولايات المتحدة يختص بدراسة الاقتصادات العالمية ومؤشرات النمو) توقع هو الآخر أن يبلغ الحجم الاقتصادي لدول أفريقيا والشرق الأوسط مجتمعة نحو 16 تريليون دولار، في العام 2025، مقارنة بـ 20 تريليون للاتحاد الأوروبي، و24.5 تريليون دولار لدول شمال أمريكا، و13 تريليون للهند.

وفي تقرير أصدرته في نوفمبر الماضي، اعتبرت منظمة التجارة والتعاون الاقتصادي أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في أفريقيا تسهم في خلق فرص العمل للشباب والنساء، ومدّ الحكومات بالعملات الصعبة، ونقل الخبرة والتكنولوجيا، الأمر الذي سينعكس إيجاباً وبشكل قوي على مستقبل اقتصاد دول القارّة.

اقرأ أيضاً :

القارة السمراء مهددة بعودة 6 آلاف "داعشي"

ولكن ما الذي يغري عمالقة الاقتصاد العالمي للدفع بكل هذه الأموال في الدول الأفريقية، بل والدخول في صراعات على مناطق النفوذ؟

الباحث التونسي المهتم بالشأن الأفريقي، هيثم سليماني، نشر دراسة في 4 يوليو الماضي، شرح فيها مكامن الإغراء للاستثمار في أفريقيا.

وقال سليماني: إنه "رغم قرون الاستعمار التي شهدتها القارة السّمراء، فإنها لا تزال حتى الآن بكراً بما تحتويه من ثروات هائلة يسيل لها لعاب الدول الكبرى الباحثة عن خزانات طاقية وطبيعية جديدة، بالإضافة لأسواق تسويق منتجاتها وخدماتها".

وأوضح أن "قارة أفريقيا تتميز بضخامة الطاقة الكهرومائية الكامنة فيها، حيث تبلغ 7501 تيراواط/ساعة، ورغم إمكانية ضمان أمنها الطاقي من خلال توليد الطاقة الكهرومائية، فإنها لا تستغل من هذه القدرة الهائلة الكامنة إلا بنسبة 5%، رغم أنها تمثل 12% من إمكانات الطاقة الكهرومائية العالمية.

أما بالنسبة إلى الطّاقة الشمسية، فإن منظمة غرينبيس (Greenpeace) لحماية البيئة تقول إن إنشاء محطات لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية في 2% من مساحة الصحراء يكفي لتغطية الحاجة العالمية من الكهرباء.

كما تتميز أفريقيا باحتوائها على كميات كبيرة من مادة اليورانيوم الأساسية في الصناعات النووية، حيث تنتج القارّة أكثر من 18% من إجمالي الإنتاج العالمي لليورانيوم، وتشير الدّراسات إلى امتلاكها ثلث الاحتياطي العالمي من هذه المادّة المهمة.

وتملك القارة "البكر"، كما يصفها الباحث التونسي، أكبر مخزون للعديد من الثروات والمعادن الاستراتيجية، فمن بين 50 معدناً هاماً في العالم يوجد 17 معدناً منها في أفريقيا وباحتياطيات ضخمة.

ولا تقتصر مغريات الاستثمار على الطاقة؛ فكما تقول دراسة الباحث سليماني، فإن الاستثمار بالمجال الزراعي أحد أفضل الخيارات التي تقدّمها أفريقيا للمستثمرين الأجانب، فهي تملك 13 نهراً، إضافة إلى ارتفاع معدلات هطول الأمطار، خاصة في المناطق الاستوائية، علاوة على ضخامة مخزونها من المياه الجوفية.

أما على الصعيد الاستهلاكي، فإن عدد سكان أفريقيا يبلغ نحو 934 مليون نسمة، ما يجعلها سوقاً استهلاكية ضخمة، خاصة في ظل تأخّر أغلب دولها عن تحقيق معدلات الرفاه البشري في حدوده الدنيا.

ولعل تأخر أفريقيا عن مواكبة الحضارات العالمية جعلها أرضاً خصبة للاستثمارات في مجال البنية التحتية، وحوّلها إلى ورشة كبيرة لبناء السدود والمطارات والسكك الحديدية والمستشفيات والجامعات والمناجم.

مكة المكرمة