غزة.. صناعة العسل تنهار وكارثة تُصيب المناحل

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/Ge1mWK

مهنة العسل في غزة تواجه خطراً حقيقياً

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 16-04-2019 الساعة 04:09

بالقرب من منحلته البيضاء الصغيرة التي وُضعت بعناية تحت ظل شجرة كبيرة، تحيطها الزهور البيضاء والحمراء من كل جانب، يقف المزارع ياسر أبو روك ممسكاً بغصن شجرة يلوح به يميناً ويساراً، وعيناه تراقبان الهدف بثبات رغم ملامح الحسرة التي غطت وجهه الشاحب.

لم يتبقَّ سوى أيام معدودة وينتهي الموسم الربيعي لجني العسل في قطاع غزة، وعادة ما يبدأ منتصفَ شهر أبريل حتى الـ20 من الشهر ذاته في كل عام. لكن "أبو روك" لا يبدو سعيداً بهذا الموسم الذي انتظره بفارغ الصبر، ولا تزال معظم مناحله فارغة تبحث على النحل.

المزارع "أبو روك" يملك 80 خلية موزعة على أرضه الصغيرة بالقرب من الحدود الجنوبية لقطاع غزة، وأحاطها بكثير من أزهار الحمضيات واللوزيات، التي تعد الغذاء المناسب للنحل لإنتاج العسل؛ عله يسد بالمنتَج رمق أسرته وحاجاته.

ملامح هذا الموسم ستكون صعبة على "أبو روك"، فحتى الـ17 من شهر أبريل لم تنتج مناحله الـ80 سوى بعض الكيلوغرامات من العسل، مع تبقى أيام عديدة على انتهاء الموسم الربيعي، وهو ما ينذر بموسم كارثي على هذه المهنة التي عانت الأمَرّين طوال السنوات الماضية.

أين اختفى النحل؟

ويقول "أبو روك"، لـ"الخليج أونلاين"، إنه لم يوفر أي جهد لإنجاح الموسم الربيعي للنحل، وكان يهتم بشكل كبير ودوري بمناحله ويقوم برعايتها وتوفير أزهار الحمضيات واللوزيات كافة للنحل، لإنتاج أكبر وأجود كمية من العسل، لكن يبدو الواقع كارثياً أكثر من المتوقع.

ويضيف: "المناحل لم تنتج العسل المطلوب، وما حصلنا عليه مجرد 4 كيلوغرامات من العسل في الخلية الواحدة، التي كان من المفترض أن توفر على الأقل 12 كيلوغراماً، وهذا الأمر لو استمر خلال الأيام الثلاثة المتبقية، فسيكون الوضع صعباً للغاية علينا كمُربّين للنحل".

ويشير إلى أن النحل ولأسباب عديدة، قد اختفى بنسبة كبيرة من القطاع، ومصير أكثر من 500 عائلة فلسطينية تعيش على ريع مهنة تربية النحل وجني العسل، أصبح في خطر.

وعن أسباب اختفاء النحل، ذكر "أبو روك" ثلاثة عوامل، أولها الاحتلال الإسرائيلي الذي جرّف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الموجودة قرب الشريط الحدودي لغزة، ورشَّ مبيدات سامة على الأزهار والأشجار، وهو الأمر الذي يساعد في هروب النحل أو حتى موته بسبب الأمراض داخل الخلية، وعدم القدرة على توفير الأدوية واللقاحات، لرفض الاحتلال إدخالها لغزة.

والعامل الثاني هو التقلبات الجوية وغياب المناخ المناسب والأجواء الحارة اللازمة للأزهار، والارتفاع غير المسبوق بدرجات الحرارة في فصل الشتاء بوجه عام وشهري فبراير ومارس بشكل خاص، أدى كذلك إلى تزهير مبكر بأزهار الحمضيات وعقد الأزهار في مدة لا تتجاوز الأسبوع فقط، دون أن يتغذى عليها النحل.

التوسع العمراني الحاصل في قطاع غزة، وندرة المساحات الزراعية الخضراء، والطرق التي يستخدمها المزارعون في مكافحة الحشرات تعد العامل الثالث بحسب "أبو روك"، وهو ما أسهم بشكل كبير في قتل حشرات النحل، ومن ثم قلة إنتاج الكميات المطلوبة من العسل لتلبية احتياجات سكان القطاع.

ويُجنى العسل مرتين بالعام: في شهر أبريل وهو عبارة عن عسل الحمضيات واللوزيات، وفي شهر سبتمبر يكون عسل الكينيا، وتستمر عملية قطف العسل من 5 إلى 6 أيام حسب الكمية الموجودة، ويُفرز خلالها العسل بماكينات خاصة، تفصل العسل عن الشمع.

ويبلغ سعر الكيلو الواحد من العسل الطبيعي في السوق المحلي خلال الموسم، من 80 إلى 90 شيكلاً، في حين ينخفض السعر في غير موسمه وقد يصل إلى 35 شيكلاً للكيلو الواحد.

وبحسب إحصائيات رسمية من وزارة الزراعة، فإن قطاع غزة كان يستهلك خلال السنوات السابقة نحو 500 طن من العسل سنوياً من 25 ألف خلية نحل، تنتج كل خلية منها نحو 10 كيلوغرامات من العسل، ولكن نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في غزة، انخفض الاستهلاك 250 طناً في الفترة ذاتها، وقد يسجل رقماً غير مسبوقٍ هذا العام، ويصل إلى 150 طناً.

خطر اندثار مهنة الأجداد

عضو مجلس إدارة جمعية النحالين في غزة، زياد أبو سويلم، توقع تأخير جني العسل وتراجع إنتاجه، بسبب تأخر موسم الشتاء والأزهار، مؤكداً لـ"الخليج أونلاين"، أن هذا العام شهد تأخر نشاط النحل المتعلق بجني اللقاح في تكوين العسل، وحتى اللحظة لم يصل حتى إلى الحد الأدنى من الإنتاج.

وأضاف: "هذا الأمر سيؤثر في المنتَج من العسل والذي يُتوقع أن يتراجع بنسبة كبيرة؛ وكثير من الخلايا الموجودة في المزارع فارغة ولا يوجد بها عسل، وإن وُجد فلا يتجاوز 4 كيلوغرامات فقط، وخلال الأيام القليلة المقبلة سيحدَّد مصير الموسم، الذي من المتوقع أن يكون صعباً".

أبو سويلم أشار إلى أن عدد مزارع النحل قد تراجع حتى وصل إلى أقل من 300 مزرعة تضم 16 ألف خلية فقط من أصل 25 ألفاً، وهذا الأمر يقلل من إنتاج العسل وقد يصل إلى 100-150 طناً، وهذا أقل بكثير من حاجة السكان التي تصل إلى أكثر من 250 طناً".

واعتبر هذا التغير خطيراً ويمس هذه المهنة المتوارثة عبر أجيال طويلة، مؤكداً وجود جهود مكثفة من أجل الحفاظ عليها، ومواجهة كل عوامل انتشارها، وتخطي الصعوبات التي تواجه مربي النحل وصانعي العسل.

وتُعتبر مهنة العمل في تربية النحل من المهن المحفوفة بالمخاطر بقطاع غزة؛ لا سيما أن أغلب هذه الخلايا توجد قرب المناطق الحدودية، وتزخر بأنواع زهور الحمضيات والكينيا.

وتكبد قطاع إنتاج العسل في غزة خسائر متتالية نتيجة المنخفضات الجوية المتتالية، والعدوان الإسرائيلي الأخير الذي ألحق أضراراً بـ8000 خلية نحل من إجمالي 25 ألف خلية تقدَّر قيمة خسائر الواحدة منها بـ120 دولاراً أمريكياً.

مكة المكرمة