في بلاد الرافدين.. الفساد ينهك الاقتصاد ويقود الشعب إلى المجهول

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LWEpEd

الشعب العراقي يعيش في أزمات معيشية بسبب الفساد

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 07-10-2019 الساعة 12:12

لا يشبه الفساد في العراق بقية الدول؛ فقد تحول إلى منظومة متكاملة قادت البلاد إلى أوضاع اجتماعية واقتصادية مأساوية، حتى بات الشعب العراقي، الذي يعيش على أرض الثروات ويطفو فوق بحر من النفط، واحداً من أفقر شعوب العالم.

ومنذ سنوات يناضل العراقيون من أجل القضاء على منظومة الفساد، إلا أن مطالبهم تلك لم يحقق منها شيئاً أصحاب القرار، حتى باتت الثورة على هؤلاء الخيار الأخير من أجل إنهاء حقبة أنهكت اقتصادهم وأوصلتهم إلى المجهول.

ويشهد العراق احتجاجات عنيفة، منذ الثلاثاء الماضي، بدأت من العاصمة بغداد للمطالبة بتحسين الخدمات العامة وتوفير فرص العمل ومحاربة الفساد، قبل أن تمتد إلى محافظات في جنوب ووسط البلاد.

ورفع المتظاهرون سقف مطالبهم وباتوا يدعون إلى استقالة رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، إثر لجوء قوات الأمن للعنف لاحتواء الاحتجاجات، ما أسفر عن وقوع أكثر من 100 قتيل، فضلاً عن آلاف الجرحى.

منظومة فساد

وخلال السنوات الماضية، ظل الفساد بالعراق محل اهتمام المؤسسات الدولية قبل المحلية والإقليمية؛ جراء تصاعده بشكل كبير.

وفي العام الماضي حل العراق في المركز 168 بين 180 دولة على مؤشر الفساد الذي تنشره منظمة الشفافية الدولية.

ويصنف مؤشر إدراك الفساد في البلدان والأقاليم على أساس مدى فساد قطاعها العام.

ووصف تقرير منظمة الشفافية الدولية العراق بأنه غير ديمقراطي، فضلاً عن انتشار الفساد السياسي والاقتصادي والإداري داخل مؤسساته المتنوعة.

وبحسب التقرير نفسه، فإن العراق من ضمن الدول الخمس الأكثر فساداً في منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب ليبيا والسودان واليمن وسوريا.

كما تشير تقارير منظمة الشفافية العالمية إلى أن حجم المال المنهوب في فترة ما بعد الرئيس الأسبق، صدام حسين، بلغ 300 مليار دولار.

وتقول وسائل إعلام محلية عراقية إن نحو 350 مليار دولار أُهدرت بين عامي 2003-2014 بمشاريع وهمية وفساد مالي وإداري في البلاد.

وإضافة إلى تصنيف منظمة الشفافية الدولية فإن البنك الدولي صنف العراق كثاني أكثر دولة بالعالم تعاني من تفشي الفساد، فضلاً عن التصنيفات التي تعده واحداً من أكثر الدول سوءاً من ناحية الأعمال التجارية وضعف البيئة الاستثمارية؛ نظراً للإشكالات العديدة في البنية القانونية والتشريعية وهشاشة الوضع الأمني.

أزمات معيشية واقتصاد منهك

حجم الفساد المتزايد في العراق خلق أزمات معيشية واقتصادية متتابعة للمواطنين العراقيين، وأربك اقتصاد بلادهم حتى أصبح بين الأسوأ عالمياً، رغم أن البلاد تملك أكبر احتياطي نفطي بالعالم بعد المملكة العربية السعودية. كما يمثل احتياطي النفط العراقي نحو 10.7% من إجمالي الاحتياطي العالمي.

يشهد العراقيون أزمات معيشية خانقة؛ فهم يعانون من البطالة المستفحلة، والفقر والشديد، وضعف الخدمات العامة.

وتبلغ معدلات البطالة المعلنة بشكل رسمي في العراق 16٪ في العام الحالي، بعد أن كانت 14٪ في 2018، إلا أن بيانات غير رسمية تتحدث عن أن معدلات البطالة تصل إلى قرابة الـ40٪.

ووفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، فإن معدل بطالة الشباب في العراق بلغ أكثر من 40٪ بالعام 2018، ما يعني أن 14.8 مليون عراقي يقفون في طابور العاطلين عن العمل.

وبالنسبة للفقر فإن معدلاته "الرسمية" بلغت في العام 2019 نسبة 22.5٪.

في حين تشير إحصاءات البنك الدولي إلى أن نسبة الفقر تصل إلى 41.2٪ في المناطق المحررة من تنظيم داعش، و30٪ بالمناطق الجنوبية، و23٪ في الوسط، و12.5٪ في إقليم كردستان.

وذكر البنك الدولي أيضاً أن 50% من الأطفال فقراء في المحافظات الجنوبية بالعراق.

وإضافة إلى الفقر والبطالة فإن ملف الديون العامة العراقية بات أحد أكبر المخاطر التي تهدد اقتصاد بغداد.

وتوقع صندوق النقد الدولي أن ترتفع ديون العراق بالعام الحالي إلى 132.4 مليار دولار، لتصل إلى ذروتها في السنة المقبلة 2020 إلى 138 مليار دولار.

وتحت ثقل المديونية والنمو الاقتصادي المتراجع تراجعت حصة الفرد العراقي من الناتج المحلي إلى أقل من مستوياتها، حيث بلغت نحو 4990 دولاراً سنوياً، بعد أن كانت تصل إلى 7 آلاف دولار بالعام 1990.

ووفق دراسة أجرتها الأمم المتحدة ونشرت نتائجها العام الماضي، فإن العراق يحتل المركز 108 عالمياً من بين 122 دولة في ترتيب الدول حسب مستوى دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالدولار سنوياً.

وفي العام الجاري تضاعف عجز الموازنة العامة العراقية ليصل إلى 23 مليار دولار، بعد أن بلغ 11 مليار دولار في العام 2018.

ويستهلك العراق الجزء الأعظم من موازناته في تمويل الأنشطة التشغيلية، وهي بالغالب رواتب شهرية.

وسجلت الرواتب الشهرية للموظفين الحكوميين ارتفاعاً قياسياً جديداً بنسبة 15٪ عن العام الماضي، حيث كانت فاتورة الرواتب تبلغ نحو 36 مليار دولار في 2018، بينما هي بموازنة العام الجاري 52 مليار دولار.

وبناء على هذه الأرقام فإن موازنة 2019 جاءت بنسبة 75٪ نفقات تشغيلية ورواتب، وأما المخصص للاستثمارات والإعمار فهو 27.8 مليار دولار فقط.

ويحل العراق في المرتبة الـ142 عالمياً على مؤشر الازدهار من أصل 149 دولة، وفق تصنيف مؤسسة "ليغاتوم" البريطانية.

مشهد كارثي

ويقول الباحث العراقي محمد السهيل، في تصريح لـ"الخليج أونلاين": إن "الفساد شل أركان الاقتصاد العراقي، وقد تحدثت تقارير رسمية في الفترة الأخيرة عن هدر ما يزيد عن 450 مليار دولار من الأموال العامة منذ العام 2013 بسبب الفساد".

ويضيف السهيل: "المشهد في العراق كارثي، العراقيون يعانون من الفقر والبطالة، وافتقار بالخدمات العامة، إضافة لانعدام الأمن، وكل ذلك بسبب الفساد وإهدار الأموال العامة، وقد فقدوا الأمل بالحكومة ولم يعد أمامهم سوى الثورة".

ويشير إلى أن الشعب العراقي يعيش على أرض تطفو فوق بحر من الثروات الطبيعية والنفط، لو استثمرت بشكل جيد بعيداً عن منظومة الفساد القائمة لأصبح العراقيون من أغنى شعوب الأرض، ولنافس اقتصادهم الاقتصادات الكبرى.

ويعتقد أن الأحزاب والمليشيات والحكومات المتعاقبة هي المسؤولة عن نهب ثروات العراق وإهدار موارده.

ويذكر السهيل أنه في العام 2014 كانت ديون العراق الخارجية والداخلية تبلغ 70 مليار دولار، لكنها اليوم تزيد عن 130 ملياراً، وهذا الرقم يواصل الزيادة.

وينوه بأن الاحتياطي النقدي العراقي من العملات الأجنبية كان يبلغ في العام 2014 نحو 81 مليار دولار، إلا أنه انخفض حالياً إلى 38 مليار دولار.

ويقول الباحث العراقي: "دخل العراق سنوياً يزيد عن 750 مليار دولار، منها نحو 640 مليار دولار مصدرها النفط، وهذا المبلغ الضخم لا نعلم مصيره في ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المأساوية التي يعيشها العراقيون".

ويشدد على ضرورة أن تكون هناك وقفة جادة من جميع أطياف الشعب العراقي للقضاء على منظومة الفساد وإعادة الحياة للاقتصاد العراقي.

مكة المكرمة