قطر في الصدارة.. هل تتأثر أسواق الغاز بتهاوي أسعار النفط؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/aVb3k9

انهار النفط إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة لما دون الصفر

Linkedin
whatsapp
الأربعاء، 22-04-2020 الساعة 15:58

كان الانهيار الكبير لأسعار النفط، المتأثر بآثار تفشي فيروس كورونا المستجد في أنحاء العالم، صادماً على نحو غير مسبوق، حيث وصل إلى أدنى مستوى؛ إلى ما دون الصفر لأول مرة في تاريخ أمريكا، مع انتهاء التعاملات الاثنين (20 أبريل).

ولكن في أسواق الطاقة يوجد فاعل مهم آخر يصعد وله أثره في السوق العالمية وهو الغاز، باعتباره أقل أضراراً على البيئة من النفط، ولم تتأثر أسعاره في الأزمات الماضية بنفس الدرجة التي تأثر بها النفط.

وكان تأثير انخفاض أسعار النفط سلبياً للغاية على الدول المنتجة للنفط، وبالذات تلك التي تعتمد عليه بشكل شبه كلي في ناتجها المحلي وموازناتها العامة؛ كحال معظم دول الخليج، في الوقت الذي بقيت فيه الدول المعتمدة على الغاز في وضع أكثر استقراراً، خصوصاً قطر، التي بدأت بمشاريع توسيع "حقل الشمال"، أحد أكبر حقول الغاز في العالم.

وفي أواخر العام الماضي أعلنت قطر أن إنتاجها من الغاز سوف يرتفع من 77 مليون طن إلى 126 مليون طن سنوياً، بحلول العام 2027، بنسبة زيادة في الإنتاج تصل إلى 64%.

وحسب التقديرات الرسمية تقدر احتياطيات قطر المؤكدة من الغاز الطبيعي بـ879.9 تريليون قدم مكعب، أي ما يعادل 12.9% من إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم، وتعتبر أكبر منتج ومصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم بنسبة إنتاج تصل إلى 30% من الإنتاج العالمي للغاز.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما مدى تأثر أسعار الغاز بأسعار النفط، وهل لوباء كورونا أي تأثير قادم على أسواق الغاز؟

الانخفاض الكبير

وبدأت أزمة النفط مع انخفاض الطلب العالمي عليه مع بداية العام الحالي بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد وتمدده إلى معظم الدول انطلاقاً من الصين (مستهلك النفط الأكبر عالمياً)، ما أدى إلى تذبذب طفيف بداية بأسعاره، وبالأخص المُنتج في منطقة الخليج العربي.

وتعد منطقة الخليج العربي أكبر منتج للنفط عالمياً، حيث يخرج منها يومياً نحو 17 مليون برميل إلى مختلف أنحاء العالم.

وفي إطار ذلك انطلق خلاف مستعر بين السعودية وروسيا على نسبة الخفض في إنتاج النفط، وما تبع ذلك من زيادة إنتاج النفط من كبار المنتجين من أجل الضغط على المنافسين، وجرهم إلى تقديم تنازلات والتوصل إلى اتفاق.

وبالفعل انخفضت الأسعار بقوة نتيجة الخلاف إلى درجة وصوله إلى 15 دولاراً للبرميل تقريباً، ما دفع الولايات المتحدة للتدخل ودفع الرياض وموسكو للتوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف.

وفعلاً في 10 أبريل 2020،  توصلت "أوبك" (بقيادة السعودية)، وروسيا ودول أخرى، لخفض إنتاج النفط مؤقتاً، حيث نص الاتفاق على إجراء تخفيضات في إنتاج النفط تبلغ 9.7 ملايين برميل يومياً في شهري مايو ويونيو.

كما أعلنت كل من السعودية وروسيا أنهما ستخفضان الإنتاج من 11 مليون برميل يومياً إلى 8.5 مليون برميل يومياً.

وتسبب ذلك بارتفاع أسعار النفط، في 12 أبريل الجاري، حيث ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت لتسجل 32 دولاراً للبرميل، كما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى 23.7 دولاراً للبرميل، لكن هذا الخفض ربما لم يكن بالمستوى المطلوب لتحقيق الاستقرار في السوق.

وأدت الأزمة السابقة زيادة كبيرة في الإنتاج، وتكدست ملايين براميل النفط دون وجود أمل أو سبيل لتصريفها، وامتلأت الخزانات لدى كل المنتجين، إلى أن اقترب موعد 21 أبريل، حيث موعد انتهاء العقود الآجلة للنفط لشهر مايو، وهذا ما دفع المضاربين الصغار في سوق النفط ومستهلكي التجزئة لعرض عقودهم التي لن يتمكنوا من تسلمّها ولا تصريفها، فعرضوا العقود بأسعار منخفضة، وأصبح هؤلاء مضطرين للبيع حتى لو دفعوا من جيوبهم للتخلص من هذه العقود.

وكان التأثير الكبير على السوق الأمريكية؛ لكونها تضم وحدها 15% من السندات العالمية النفطية، كما تضم أكبر نسبة من المضاربين، وبسبب طبيعة تصريف النفط الأمريكي، وأماكن انتشاره؛ حيث تبعد آبار النفط عن الموانئ المعدة للتصدير.

يُضاف إلى ذلك عدم وجود خزانات كبيرة تتسع للتخزين، حيث أشارت التقارير إلى أن "كاشينغ"، وهي نقطة تسليم خام غرب تكساس الأمريكي ارتفع مخزونها بنسبة 50%، وبات المنتجون يستأجرون ناقلات النفط لتخزينه في البحر بسبب امتلاء خزاناتهم.

وإن كان يرجح أن هذه الأزمة مؤقتة، فهي مرتبطة بعودة الاستقرار وحركة العمل التي عطلها تفشي فيروس كورونا، ما قد يدفع أسعار النفط للاستقرار والتحسن مع نهاية العام.

النفط

ماذا عن الغاز؟

إلا أن تلك الأزمة المفاجئة في انحدار أسعار النفط إلى أدنى مستوى قفزت بأسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي "نايمكس" تسليم مايو بنسبة 11.5% خلال تعاملات (20 أبريل 2020)، في اتجاه عكسي مع أسعار الخام.

و"العقود الآجلة" هي تلك التي يتم التعاقد عليها ولكن تسلم في وقت لاحق، حيث يعرفها البعض باسم "عقود المستقبل". 

وبحسب وكالة "بلومبيرغ" الأمريكية، قفز سعر الغاز الطبيعي نايمكس إلى 1.95 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، بزيادة نحو 25 سنتاً مقارنة بسعر الفتح.

ورغم الارتفاع في أسعار الغاز خلال تعاملات اليوم، حيث سجلت أعلى مستوى في 6 أسابيع، فإنها منخفضة مقارنة بالأسعار في بداية العام؛ حيث سجل نايمكس 2.2 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

وبعد صعودها لثلاث جلسات متتالية ارتفعت عقود الغاز تسليم مايو في بورصة نيويورك التجارية 17.1 سنتاً أو 9.8%، وهي أكبر مكاسب ليوم واحد منذ يناير 2019، لتسجل عند التسوية 1.924 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهذه أكبر مكاسب ليوم واحد منذ 10 مارس 2019.

ويأتي ذلك بفعل القلق من أن إنتاج الغاز سينخفض بينما تغلق شركات الحفر آباراً نفطية في الأحواض الصخرية بسبب تحول أسعار الخام الأمريكي إلى سلبية للمرة الأولى، حيث تنتج تلك الآبار الكثير من الغاز.

ويعتقد متعاملون مع سوق الغاز  أن ذلك بسبب أن هناك أحوالاً جوية باردة متوقعة، وارتفاعاً في الطلب على التدفئة الأسبوع القادم، رغم أن التوقعات طويلة الأجل توحي بأن استخدام الغاز سيهبط بسبب إجراءات العازل العام الهادفة لاحتواء تفشي فيروس كورونا المستجد.

وشملت أزمة كورونا التي تخيم على الاقتصاد العالمي بتأثيرها أسعار الغاز الطبيعي، الذي بدأ رحلة هبوط تدريجية منذ منتصف يناير الماضي، ولكن لا يقارن مع انخفاض أسعار النفط.

ويظهر الفارق بين أسعار النفط والغاز أن أسواقهما مختلفة، وإن كان هناك ارتباط بين تفاوت الأسعار، خصوصاً في ظل أزمة مثل أزمة كورونا.

وتظهر بيانات "إدارة معلومات الطاقة" أن الارتباط اليومي بين سلع الخام والغاز المسال منخفض، ولكن على أساس ربع سنوي.

وإدارة معلومات الطاقة هي وكالة رئيسية تابعة للنظام الإحصائي الاتحادي للولايات المتحدة، وهي المسؤولة عن جمع وتحليل ونشر المعلومات عن الطاقة لتعزيز السياسات السليمة، وكفاءة الأسواق، والفهم العام للطاقة وتفاعلها مع الاقتصاد والبيئة.

وتشمل برامجها بيانات عن البترول ومشتاقاته، والغاز الطبيعي والفحم والكهرباء، بالإضافة إلى الطاقة المتجدة والنووية.

الغاز

ارتباط الغاز  بالنفط

وقال أحمد القاروط، المتخصص بالاقتصاد السياسي العالمي: إن "أسعار الغاز كانت ترتبط بأسعار النفط تاريخياً لأن الأخير كان يستخدم كأساس لتسعير الغاز على اعتبار أن الخام هو السلعة العالمية التي عليها الطلب أكثر، ولأن معظم الدول تستهلك النفط أكثر من الغاز".

وأضاف في حديث مع "الخليج أونلاين" أنه "بعد الثورات التكنولوجية التي حدثت بخصوص الإنتاج والتوزيع تغيرت الأمور، وخصوصاً أن الغاز مرتبط بالمناطق الإقليمية التي يوجد فيها، لأنه ينتقل عبر خطوط وأنابيب، ما غير من طريقة التسعير، ومن هنا بدأ الارتباط التاريخي يتغير بين أسعار النفط والغاز".

وبخصوص افتراق الغاز والنفط بسبب العقود الآجلة المختلفة فقد أكّد الباحث الاقتصادي أن ذلك يختلف حسب المكان؛ ففي أوروبا وآسيا يوجد ارتباط أكبر لأن النفط يستخدم كأساس لتسعير الغاز، بينما يقل ذلك في مناطق أخرى، ويتصل بقوانين الدول والتوريدات".

وأشار "القاروط" إلى أن الفترة القادمة سيكون فيها نزعة أكبر على طلب الغاز، خصوصاً في ظل موضوع "الدفء العالمي"، ما سيجعل الإقبال على الغاز أكبر، بحيث يكون للغاز تسعير خاص به، ولكن على المستوى القصير والمتوسط سيكون للنفط تأثيراته على الغاز.

كما يعتقد الباحث أن "الدول التي تعتمد على النفط تأثرت أكثر من الدول التي تعتمد على الغاز، وإن كان حجم التأثير يكون بناء على اعتبارات معينة، فقطر مثلاً دولة صغيرة الحجم لن تتأثر بنزول الأسعار لأن لديها مدخرات سيادية يمكن صرفها حتى لو تعثرت عدة سنوات".

وشدد "القاروط" على أن الاستثمارات في قطاعي النفط والغاز تأثرت بشكل كبير، خصوصاً قطاع النفط، حيث ألغي العديد من العقود الاستثمارية؛ لأن التوقع الاستراتيجي أن سلعة الخام لن يعود سعرها خلال فترة قريبة.

ويرى أيضاً أن أزمة كورونا مستمرة لعدة سنوات في تأثيراتها، وستطول بعض الشيء، ولا توجد حلول قريبة؛ "لأن أثر الوباء في نهاية المطاف على جميع المناحي السياسية والاجتماعية والصحية، ومن ثم الاقتصادية".

ولفت إلى أن تأثيرات كورونا على أسعار الغاز بالمدى القريب والمتوسط ستكون واضحة، بسبب انخفاض الطلب عليه، وإن بدأ ذلك أصلاً، بحسب قوله.

ونوه في ختام حديثه لـ"الخليج أونلاين"، بأن "مستقبل الغاز أفضل من النفط على المستوى الاستراتيجي، وسيكون هناك ما يشبه الهجرة الجماعية في العالم من النفط إلى الغاز، حيث سيكون هناك وعي سياسي بمسألة الوباء، وهو سيؤثر على اللجوء للطاقة النظيفة بدرجة أكبر".

مكة المكرمة