كيف تحارب "إسرائيل" الدينار الأردني داخل فلسطين المحتلة؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/gvEDX4

الدينار يواجه حرباً إسرائيلية لتجفيف منابعه من السوق الفلسطينية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 02-09-2019 الساعة 08:40

تدور في الخفاء تفاصيل حرب من نوع آخر بين الفلسطينيين والإسرائيليين تُركز في جولاتها المتعددة وضرباتها القاسية على هدف واحد وهو شل الاقتصاد الفلسطيني، وإبقاؤه تحت رحمة الاحتلال وتابعاً له بجميع أشكاله؛ المباشرة وغير المباشرة.

تفاصيل هذه الحرب، التي دائماً ما كان المتضرر الرئيسي منها الفلسطينيون، شملت، منذ بداية الاحتلال، جوانب متعددة وكثيرة، نجحت على أرض الواقع بتفتيت الاقتصاد الفلسطيني ودفعه نحو الهاوية، لا يسنده إلا المساعدات والمنح المالية الخارجية.

المحاولات الإسرائيلية لضرب الاقتصاد الفلسطيني لم تهدأ ولن تهدأ، ولكن هذه المرة طالت أكثر أركانه حساسية وتأثيراً حين حاصرت عملة "الدينار الأردني" من كل جانب، ووضعت عملة "الشيكل" كبديل يحل مكانه ليسيطر على السوق الفلسطينية ويكون العملة الأولى والوحيدة في التعاملات المالية.

أزمة اختفاء الدينار من السوق الفلسطيني، وعلى وجه الخصوص بالضفة الغربية المحتلة، بدأت تفاصيلها بالظهور قبل أسابيع حين أُصيب السوق بنقص حاد في سيولة بعض القطع النقدية والعملات الورقية الصغيرة من فئة الدينار، لكن سرعان ما امتدت شرارة الأزمة لتشمل جميع الفئات والعملات الورقية، فتختفي من السوق والبنوك، وحتى مكاتب الصرافة، وتُصيب الاقتصاد الفلسطيني بحالة شلل، وتعقد من وضعه الحالي.

أين اختفى الدينار؟

"أين اختفى الدينار؟"، السؤال الأبرز الذي يُطرح في الساحة الفلسطينية، وسيحاول مراسل"الخليج أونلاين" في تحقيقه الخاص فتح هذا الملف والبحث عن إجابات شافيه له، في ظل المتغيرات المعقدة التي تُحيط بالاقتصاد الفلسطيني بسبب الاحتلال الإسرائيلي الذي دأب على ضربه كلما سنحت له الفرصة.

"نعتذر لزبائننا الكرام.. لا نتعامل بالدينار"، كانت هذه الجملة مكتوبة على ورقة بيضاء صغيرة علقها ياسين فراج على أحد الأبواب الزجاجية لمكتب الصرافة الذي يعمل فيه وسط مدينة رام الله بالضفة الغربية، لتكون خير دليل على أزمة تعصف بالسوق الفلسطيني، لم تجد حلاً حتى اللحظة.

ويقول فراج لـ"الخليج أونلاين" عن بداية أزمة اختفاء الدينار من السوق: "قبل تقريباً شهرين من الآن كانت هناك أزمة سيولة بسيطة للدينار، وخاصة الفئتين الصغيرة والمتوسطة، وتوقعنا أن تذهب الأزمة كعشرات الأزمات السابقة، لكن ما جرى كان غير متوقع وأفسد كل قراءتنا للواقع الاقتصادي".

وتابع حديثه: "تدريجياً ودون سابق إنذار بدأت باقي أشكال العملات من فئة الدينار تختفي، وبات الطلب عليها في السوق من قبل الزبائن والتجار مرتفعاً للغاية، لدرجة وصلنا اليوم إلى عدم وجودها في المكاتب ولا حتى البنوك، والمتضرر الأكبر  من ذلك هي شركات الصرافة لتي تعاني حالياً خسارات كبيرة، وذلك لأن الحوالة التي تصل من الخارج بالدينار يجب تسليمها بنفس العملة وعدم صرفها إلى الشيكل".

فراج يضيف: "معظم التعاملات والتحويلات المالية بين فلسطين والخارج، وخاصة بالضفة، تتم بعملة الدينار، وقليل منها تتم بعملة الدولار الأمريكي، ولكن بسبب اختفاء الدينار أصبحت التعاملات شبه مُجمدة، وحولت بعضها للدولار المترنح، مما كبدنا خسائر مالية".

ويشير إلى أن سعر صرف الدينار يكون في الغالب مستقراً معظم أيام السنة، مع بعض الارتفاع أو الانخفاض الطفيف غير المؤثر، مقارنة بباقي العملات، وعلى رأسها الدولار والشيكل، اللذان يشهدان انخفاضاً مؤثر، معتبراً اختفاء الدينار ضربة قوية للاقتصادين الفلسطيني والأردني.

وأشار فراج إلى أن اختفاء الدينار سيُجبر الفلسطينيين الذين لا يملكون عملة خاصة على التعامل مع عملتي الشيكل أو الدولار المتوفرتَين في السوق، وهذا ما تسعى إليه "إسرائيل" التي أعدت المخططات لمحاصرة الدينار وتهميشه واستبداله بالشيكل لدعم اقتصادها.

وخلال بحث "الخليج أونلاين" في هذا الملف وجد أن الدينار يتعمق في فلسطين ومعظم معاملاتها المالية منذ سنين طويلة، فعلى سبيل المثال البنوك والمؤسسات الخاصة تصرف رواتب موظفيها بالدينار، وكذلك تعتمد بيع وشراء الأراضي والعقارات والمركبات وأسعار الذهب وتحويلات مكاتب الصرافة ومهور الزواج على الدينار، لذلك يعتبر العملة الثانية بعد الشيكل الذي يعد ضعيفاً أمامها.

1

تهويد الدينار

وللحصول على تفاصيل أكثر حول علاقة "إسرائيل" باختفاء الدينار من السوق، تحدث مراسل "الخليج أونلاين" مع رئيس اتحاد جمعيات حماية المستهلك الفلسطيني، عزمي الشيوخي، الذي أكد أن الاحتلال هو المسبب الأول والرئيسي لهذه الأزمة.

ولفت الشيوخي خلال حديثه إلى أن الاحتلال يسعى لتشديد الخناق على الدينار وعرقلة وصوله إلى السوق الفلسطينية من خلال التجار أو البنوك وحتى المسافرين، ورفض البنوك الإسرائيلية استقبال ملايين الشواكل المتكدّسة في البنوك الفلسطينية، في محاولة منه لخلق أزمة سيولة مالية تُجبر المواطنين على التعامل بالشيكل.

وأوضح أن السوق تعاني من أزمة حادة في توفير العملة الأردنية المعدنية أو الورقية من جميع الفئات منذ أسابيع، وتصاعدت في الأيام الأخيرة، معتبراً ما يواجهه الدينار من مخاطر ومخططات يأتي ضمن السعي الإسرائيلي لأسرلة الدينار وتهويد مكانته.

وبسؤال "الخليج أونلاين" عن هدف الاحتلال الأساسي من محاربة الدينار، أجاب: "إحلال الشيكل مكان الدينار في السوق الفلسطينية هدف إسرائيل الأول، وهو بهذا يخالف اتفاقية باريس الاقتصادية، ويتعدى على بنودها التي أقرت بوجود الدينار عملةً أساسية في السوق".

وبحسب بروتوكل باريس الاقتصادي الموقع عام 1994 فإن الدينار يعد من العملات الرئيسية المتداولة في فلسطين إلى جانب عملة الشيكل والدولار.

رئيس اتحاد جمعيات حماية المستهلك ذكر أن "إسرائيل" حاصرت الدينار من كل جانب، وتسعى الآن لتجفيف كل منابعه داخل فلسطين؛ في مكاتب الصرافة والبنوك، "ويعد ذلك ضربة مؤلمة للاقتصاد الفلسطيني أولاً ثم الاقتصاد الأردني الذي سيخف تدريجياً الطلب على عملته، وستسهم بربط اقتصادنا بإسرائيل ليكون أكثر تبعية وحاجة إليه".

وخلال تصريحه لـ"الخليج أونلاين" ناشد السلطة الفلسطينية والجمعيات الدولية والحقوقية بالضغط على الاحتلال لوقف هذه الخطوات التي وصفها بـ "الظالمة"، مؤكداً أن لكل شعب الحق في توفر السلعة والخدمة والعُملة بحسب القوانين الدولية والإنسانية.

وعملياً تتحكم "إسرائيل" في الاقتصاد الفلسطيني من خلال عملتها الشيكل، التي يضطر الفلسطينيون إلى التداول بها بموجب الاتفاقيات الموقعة السابقة، وبحسب الاتفاقيات فيتعامل الاحتلال مع الجانب الفلسطيني بعملة الشيكل عند الشراء منهم، ويرفض التعامل بالدولار أو الدينار.

أزمة اختفاء الدينار لم تغرق تأثيراتها السلبية الضفة بل انتقلت لقطاع غزة الذي يعاني منذ سنوات من شحّ في العملات؛ نتيجة عدم وجود بنك مركزي فلسطيني، وتحكم "إسرائيل" في توريد العملات.

دعم اقتصاد "إسرائيل"

"خطوة الاحتلال بتجفيف منابع الدينار من السوق الفلسطينية جاءت كخطوة استباقية للرد على دعوات وتحركات الجانب الفلسطيني للانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل، والبحث عن عملات وطنية بديلة قد يكون الدينار إحداها"، الحديث هنا للخبير في الشؤون المالية والاقتصادية مصطفى أبو رضوان.

ويضيف في تصريحات لـ"الخليج أونلاين": "السلطة الفلسطينية ورغم صعوبة الخطوة تلوح بالانفكاك الاقتصادي والعملة البديلة، وإسرائيل تحاول أن تنفذ ضربة استباقية بتفريغ الساحة من الدينار، وترسيخ الشيكل بضخه في السوق الفلسطينية؛ لوأد فكرة الانفكاك، وإبقاء التبعية والسيطرة على الاقتصاد الفلسطيني".

الخبير الاقتصادي أوضح أن خطوة سحب الدينار من السوق وإحلال الشيكل يأتي من مخطط الفرض التدريجي لعملة الشيكل في التعاملات التي كان لا يتعامل بها الفلسطينيون في السابق، كالعقارات والبيع والزواج وغيرها من المعاملات التي تتم فقط بعملة الدينار.

وعن الفائدة التي ستعود لـ"إسرائيل" من وراء إخفاء الدينار قال: "ذلك سيسهم بشكل كبير في رفع الأرباح والعائدات المالية للاقتصاد الإسرائيلي"، محذراً من أن سياسة الاحتلال في التعامل والتدخل بالسوق الفلسطينية تهدد بشكل النظام المصرفي وتبقي الاقتصاد تابعاً لها بصورة مطلقة.

ورغم الإجراءات الإسرائيلية التعسفية لتهويد مكانة الدينار (4.98 شيكل)، فقد أظهرت بيانات نشرها البنك المركزي الأردني عن ارتفاع قياسي في حجم ودائع الفلسطينيين في البنوك الأردنية العاملة في الأراضي الفلسطينية لهذا العام مقارنة بالأعوام السابقة بتخطيها حاجز خمسة مليارات دولار حتى نهاية ديسمبر 2018.

وتظهر الأرقام نمواً ملحوظاً في إقبال الفلسطينيين على الاستثمار في البنوك الأردنية، حيث ارتفعت قيمة الودائع بمقدار مليار دولار خلال العامين الماضيين، وهو ما يعكس تزايد نشاط البنوك الأردنية في فلسطين.

وفي نهاية التحقيق، وأمام هذه التحديات التي تعصف بالنظام المصرفي الفلسطيني، يبقى السؤال: هل حان وقت الانفكاك الاقتصادي، وإعادة تفعيل عملة فلسطينية مستقلة تواجه الشيكل؟

مكة المكرمة