مهربات السلع في المغرب.. خبز بطعم الموت وحياة بروح العبودية

يتقاضين عن كل رحلة ذهاب وإياب 10 دولارات فقط

يتقاضين عن كل رحلة ذهاب وإياب 10 دولارات فقط

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 16-01-2018 الساعة 16:11


بظهور مقوسة، وُضعت عليها عشرات الكيلوغرامات من السلع المهربة، تقطع نسوة مغربيات بأجسادهن النحيلة كيلومتراً من الطريق الوعرة، بعد "نجاتهن" من تدافع عظيم بأحد المعابر الفاصلة بين الأراضي المغربية، وأخرى لمدينتين تخضعان للإدارة الإسبانية.

يتعلق الأمر بنساء يُهربن السلع بين المنطقتين، وفجر كُل يوم، يتكدسن بالآلاف بأحد المعابر الحدودية، في انتظار فتحه لولوج الأراضي الواقعة تحت الإدارة الإسبانية، وهي العملية اليومية التي تودي بحياة مهربات، إما نتيجة التدافع، أو دوسهن بالأقدام بعد سقوطهن أرضاً.

ومن بين آخر الضحايا امرأتان تنشطان في ما يسمى بـ"التهريب المعيشي"، لقيتا حتفهما بعد سقوطهما أرضاً ودوسهما بالأقدام من طرف زميلاتهن المتسابقات لعبور النقطة الحدودية.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تموت فيها "النساء الحمالات" بهذه المعابر، إذ يتسبب التدافع والتسابق الكبيران للمشتغلات في التهريب المعيشي (السلع) عند ولوجهن الأراضي الخاضعة للإدارة الإسبانية في سقوط بعضهن، إلا أن كثافة المقبلين على الولوج إلى "الضفة" الأخرى من المعبر البري، تحول دون تمكنهن من النهوض مجدداً، فتدوسهن الأقدام، وإن لم يمتن اختناقاً، أصبن بكسور وجروح توصف بـ"الخطرة".

- خارج القانون

وتنتقل النسوة ما بين الأراضي الخاضعة للإدارة الإسبانية، وتلك الواقعة تحت السيادة المغربية، وهن محملات بكتل تتراوح ما بين 50 و90 كيلوغراماً من السلع الأساسية.

وعلى الرغم من المخاطر التي تحيط بهذا النشاط، والمقابل المادي المتدني الذي لا يتجاوز الـ 12 دولاراً عن كل رحلة ذهاب وإياب، تتشبث هؤلاء النسوة بعملهن كحمالات.

ولا توجد أرقام رسمية بخصوص عدد النساء الحمالات، إلا أن تقارير لجمعيات إسبانية وأخرى مغربية تحصر عددهن بين 10 آلاف و12 ألف امرأة حمالة، ينقلن ما مجموعه 300 طن من البضائع يومياً على ظهورهن.

وتعتبر هذه المهنة غير قانونية، إذ إن استيراد البضائع من خارج الحدود المغربية يخضع لقانون صارم وتُفرض عليه مجموعة من الضرائب.

مهربات السلع بالمغرب.. خبز بطعم الموت وحياة بروح العبودية

ويُصنف ما تقوم به هؤلاء النسوة ضمن أنشطة التهريب، ولهذا الغرض يتم الاستعانة بهن لحمل هذه السلع، عوض وسائل النقل المعروفة.

وتقوم كل سيدة من هؤلاء بقطع نصف كيلومتر في 45 دقيقة، من المعبر الحدودي نحو مكان تضرب فيه موعداً مع التاجر صاحب السلعة، أو الشخص الذي تشتغل لحسابه، الذي يمنحها 12 دولاراً عن كل رحلة.

اقرأ أيضاً :

الإعدام وعقوبات بالسجن لقتلة برلماني مغربي

وليست الطريق التي يعبرنها سالكة، إذ تتميز بوعورة تضاريسها، وهو الذي دفع المهربين إلى استعمالها هرباً من الجمارك والدوريات الأمنية.

وتقوم هؤلاء النسوة بتحميل السلع على ظهورهن، كما يحرصن على لف أجسادهن بقطع من الثياب والكثير من الملابس التي يتم بيعها فيما بعد في الأسواق المغربية.

- سلع مختلفة

وتختلف السلع التي تنقلها هؤلاء النسوة، ابتداءً من ورق المراحيض، مروراً بالمواد الغذائية المختلفة، وخاصةً المعلبات، ووصولاً إلى قطع غيار السيارات والأجهزة الإلكترونية.

وتعرف هذه السلع إقبالا كبيراً في الأسواق المغربية؛ نظراً لثمنها المنخفض بالمقارنة مع ما يوجد في المحال المغربية.

مهربات السلع بالمغرب.. خبز بطعم الموت وحياة بروح العبودية

وبحسب وسائل إعلام محلية فإن قطاع التهريب يُشغل ما يزيد على 45 ألف شخص بشكل مباشر، سواء التجار أو المهربات، ويستفيد منه نحو 400 ألف شخص بشكل غير مباشر، برقم معاملات يفوق 400 مليون دولار سنوياً، وهو ما يمثل ثلث الأنشطة التجارية لمدينة سبتة (شمال) الواقعة تحت الإدارة الإسبانية.

- حقوق مهضومة

ولا يترتب على هذا النشاط أي حقوق لفائدة النسوة الحمالات، إذ لا يتمتعن لا بالتغطية الصحية ولا أي شيء آخر، بل الأكثر من ذلك أنهن يُعانين من مضايقات عديدة، سواء من طرف "سماسرة المهنة"، أو من يسمونهم بـ"الحيتان الكبيرة".

ونقل موقع "ماشابلْ" الإسباني، عن إحدى الحمالات وتسمى "كنزة"، قولها إنها "أرملة وتضطر للعمل في التهريب كل يوم لإعالة أبنائها".

اقرأ أيضاً :

"قندهار".. هل تتسبب في عودة الحرب بين المغرب والبوليساريو؟

وكشفت المتحدثة أن النسوة اللواتي يمارسن هذه المهنة يتعرض بشكل متكرر للضرب من طرف القوات المشرفة على الجانب الإسباني من المعابر البرية.

وأوضحت أن حياتهن على "كف عفريت"، على اعتبار أن "عثرة قدم واحدة قد تسقطك أرضاً، ثم تدوسك الأقدام لتنتقل إلى الرفيق الأعلى".

With life in tow. Mules by Jose Colon

وقالت: "يُدفع لنا عن كل عملية، ولا حق لنا في العطلة"، لتضيف: "إذا مرضت أو حصل لك طارئ فلربما تفقدين شغلك، لأن هناك العشرات من أمثالك ينتظرن شغور مكان".

واسترسلت: "من المهربات من يقضين سنوات في هذه المهنة، وحينما تشيخ لا تجد حتى من يشتري لها ثمن دواء يقيها آلام الظهر".

وفي نفس السياق، تتحدث وسائل إعلام محلية شمال المغرب، عن تعرض هؤلاء النسوة للتحرش الجنسي، خاصة حديثات السن منهن.

ويُطلق المهربون على هؤلاء النسوة اسم "النساء البغلات"، وذلك في إشارة إلى قيامهن بعملية حمل أثقال ونقلها لمسافة طويلة.

وتعترض الجمعيات الحقوقية على هذه التسمية، معتبرة أنها "خادشة للكرامة الإنسانية".

- حلول

وسبق لجمعية الأندلس لحقوق الإنسان، بالتعاون مع جمعيات حقوقية مغربية، أن سجلت "معاناة هؤلاء النسوة من تبعات صحية خطيرة، بسبب اشتغالهن في هذه المهنة".

وعددت الآثار الجانبية من "اضطرابات الهيكل العظمي والعضلات"، بسبب "الأوزان الثقيلة التي تحمل بطريقة غير صحيحة"، إلى جانب ضعف التغذية والمجهود اليومي الكبير.

ودعت الجمعية إلى تقنين هذه الأنشطة، من خلال توسيع المعابر البرية، ووضع حد أقصى للبضائع الممكن تنقيلها في 20 كيلوغراماً عن كل رحلة.

واقترحت أن يتم تقليص بعض صلاحيات الشرطة والحرس المدني الإسبانيين، والدرك الملكي المغربي في التعامل مع الحمالات، إلى جانب تأسيس مدونة جمركية بين المغرب وإسبانيا تحترم حقوق الإنسان، وأخيراً منح صفات العاملات للحمالات بما يساعدهن على التوفر على تأمين صحي وتقاعد مريح.

مكة المكرمة