هل الاقتصاد التركي "هش" لدرجة أن يُدمره ترامب بتغريدة؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/qmB7pr

ليس من مصلحة أوروبا مقاطعة تركيا اقتصادياً

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 10-10-2019 الساعة 17:11

في أقل من عام، واستمراراً لحلقات السياسة "المتخبطة" التي يمارسها في إدارته للملفات الدولية؛ أعاد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تهديده لتركيا بتدمير اقتصادها وعملتها، التي وصفها بـ"الهشة جداً".

في يناير من العام الحالي، هدد ترامب تركيا بـ"تدميرها اقتصادياً" حال "ضربها" الأكراد في سوريا، ومن ثم عاد وكرر تهديداته في السابع من أكتوبر الجاري، قائلاً: "كما قلت بقوة سابقاً، وللتذكير فقط، إذا فعلت تركيا أي شيء أعتبره -بحكمتي العظيمة والتي لا تضاهى- تجاوزاً للحدود، سأدمر وأطمس اقتصادها بالكامل (وقد فعلت ذلك سابقاً)".

وجاءت هذه التغريدة بعد إصدار الرئيس التركي توجيهاته بإطلاق عملية عسكرية ضد من وصفهم بـ"الإرهابيين" في شرق الفرات شمالي سوريا، في إشارة إلى المسلحين الأكراد الذين تصنفهم بلاده كـ"إرهابيين" و"انفصاليين"، في حين كانت الولايات المتحدة تدعمهم وتتعاون معهم في محاربة تنظيم "داعش".

ولكن بالعودة إلى تهديدات الرئيس الأمريكي الأخيرة، التي رفع فيها السقف إلى حد التصريح بـ"تدمير" اقتصاد تركيا، فإنها تضع العلاقة بين الطرفين أمام العديد من التساؤلات؛ ما هي الأدوات التي يستند إليها ترامب في تهديداته المتكررة بتدمير الاقتصاد التركي؟ وهل الاقتصاد التركي هش لدرجة أن يُدمر بهذه السهولة؟ وماذا تغير على صعيد المؤشرات الاقتصادية لتركيا بين العامين الحالي والماضي، وهل سيقبل المجتمع الدولي بإضعاف تركيا اقتصادياً؟

واقعية التهديدات

أثبتت المتغيرات الداخلية والخارجية على الساحة التركية، في العقدين الأخيرين، أن الورقة الاقتصادية كانت أهم الأدوات التي استخدمتها الحكومة التركية في تحقيق ما وصلت إليه من أهداف ومكانة على الصعيدين المحلي والدولي.

فقد وصلت تركيا إلى مراتب متقدمة ليصبح اقتصادها الـ17 على مستوى العالم، بعد أن كانت دولة فقيرة غارقة في الديون قبل تسلم حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم، ورفع مستوى دخل الفرد السنوي من 4 آلاف دولار ليصل إلى قرابة 12 ألف دولار، فضلاً عن الإنجازات التي تحققت في معظم المؤشرات الاقتصادية خلال هذه الفترة.

ولكن اليوم، وفي ظل تغير المعطيات الدولية على الصعيدين السياسي والاقتصادي، ومع استعادة تركيا مكانتها الإقليمية وتعزّز مكانتها على الساحة الدولية، ومواقفها الواضحة من العديد من القضايا الجدلية في العالم؛ أصبحت مستهدفة وتحارَب بنفس الأدوات التي ساهمت في صعودها وعززت مكانتها السياسية والاقتصادية.

وفي هذا السياق لا يخفى على أحد حالة عدم الاستقرار التي صاحبت المؤشرات الاقتصادية في الأشهر الأخيرة من العام الماضي، والتي يستند إليها الرئيس الأمريكي نظرياً في تهديداته؛ المتمثلة بالحساسية المفرطة للاقتصاد التركي، وكونه اقتصاداً ناشئاً يتأثر بصورة كبيرة بالمتغيرات السياسية والاقتصادية على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وشهدت تلك الفترة "حالة عدم استقرار" عانت منها الليرة التركية، ووصلت إلى حد فقدانها قرابة 40% من قيمتها مقارنة بالعام 2017، وارتفاع معدلات التضخم، وما صاحبها من انخفاض لمؤشرات ثقة المستهلك، وارتفاع حجم ديون تركيا الخارجية المقومة بالدولار، وصعوبة تقليل تأثير هيمنة الدولار.

إضافة إلى ذلك، سيطرة الولايات المتحدة على قرارات معظم المؤسسات الدولية؛ مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ووكالات التصنيف الائتماني، تمكنها من التأثير في الاقتصاد التركي من خلال قدرتها على ضخ التقارير السلبية حوله، والتي من شأنها التأثير في مؤشرات الاقتصاد التركي عالية الحساسية.

هيمنة الدولار الأمريكي على حركة التبادلات التجارية جعلت من الصعوبة تقليل تأثيره في سعر صرف الليرة التركية (الأمر الذي ينعكس سلباً على استقرار الليرة التركية)، في حين فرض ارتفاع حجم الديون التركية (وخاصة ديون القطاع الخاص) على تركيا ضرورة التعامل بالدولار مقابل الليرة.

التقاء مصالح العديد من الدول الإقليمية عند نقطة زعزعة استقرار تركيا سياسياً واقتصادياً شكّل تقارباً للرئيس الأمريكي مع تلك الدول لضرب تركيا، ويرى البعض أن هذه النقطة قد تكون "اللغز" المفضوح في استهداف أنقرة، في ظل تصريحات علنية من عدة جهات إقليمية، لا سيما الرياض وأبوظبي، بسعيها لاستهداف تركيا بطريقة أو بأخرى، حسب تقرير لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني.

ماذا تغير في عام واحد؟

بالنظر إلى المتغيرات التي صاحبت المؤشرات الاقتصادية على الساحة التركية في الأشهر الأخيرة نجد أن هناك العديد من التطورات الإيجايبة التى سوف تسهم في تعزيز متانة الاقتصاد التركي في الفترات القادمة، ويمكن تلخيصها على النحو التالي: 

التضخم

بمقارنة بيانات التضخم بين العام الحالي والماضي نجد أن الحكومة التركية تمكنت من السيطرة على معدلات التضخم، حيث انخفض معدل التضخم في تركيا خلال الشهر الماضي، مسجلاً أدنى مستوياته في نحو 3 أعوام، حيث سجل 0.99% خلال سبتمبر، مقارنة مع الشهر السابق له، ومقابل 6.3% المسجلة في الشهر نفسه من العام الماضي.

عجز الحساب الجاري

يعتبر عجز الحساب الجاري واحداً من المشاكل المزمنة التي يعاني منها الاقتصاد التركي؛ حيث ارتفع من 5.6% (كنسبة من إجمالي الناتج المحلي) في العام 2017، ليصل إلى 6.7% مع نهاية العام 2018، ومن ثم أخد في الانحسار التدريجي في الأشهر الثمانية الأخيرة.

وأظهرت بيانات البنك المركزي تسجيل الحساب الجاري، في يوليو الفائت، فائضاً بقيمة مليار و158 مليون دولار، بعدما كان قد سجل عجزاً بمبلغ مليارين و178 مليون دولار خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.

تغيرات السياسة النقدية

ساهمت الإجراءات التي اتُّخذت من طرف الحكومة التركية في تغيير الوضع بشكل بارز في الأشهر الأخيرة، وكان أبرز هذه الإجراءات هي التغيرات في السياسة النقدية المتمثلة برفع  أسعار الفائدة، التي وصلت إلى 24% منذ مطلع العام الحالي، ثم ثبّتتها عدة مرات عند المستوى نفسه، إلى أن بدأت في تخفضيها في الشهرين الماضيين، بالإضافة إلى تخفيض الاحتياط الإلزامي من العملة الأجنبية.

وإضافة إلى ذلك التغيرات المتعلقة بالتوجه العالمي إلى تخفيض أسعار الفائدة، الأمر الذي سوف ينعكس إيجاباً على الاقتصادات الناشئة ومن ضمنها تركيا.

انتهاء الاستحقاقات الانتخابية

لا شك أن حالة الاستقطاب السياسي الناتجة عن الاستحقاقات الانتخابية، في النصف الثاني من العام الماضي، كان لها دور في "عدم استقرار المؤشرات الاقتصادية"، فبانتهائها منحت الحكومة التركية مساحة أكبر من الاستقرار والتفرغ لتطبيق الخطط والإصلاحات الاقتصادية للفترة المقبلة، الأمر الذي انعكس إيجاباً على الاقتصاد التركي.

ماذا لو فُرضت عقوبات على تركيا؟

باستمرار لغة التهديد التى يتعامل بها الرئيس الأمريكي تجاه تركيا، والتباهي بقدرته على عزلها وتدمير اقتصادها، ما مدى نجاعة هذه التهديدات؟ وهل ستنجح الولايات المتحدة في عزل تركيا من خلال العقوبات الاقتصادية أسوة بإيران مثلاً؟

النقاط التالية تثبت أن تدمير الاقتصاد التركي ليس بهذه السهولة التي يتحدث عنها الرئيس الأمريكي.

فبحسب إحصائيات هيئة الإحصاء التركية فإن حجم الواردات التركية من الولايات المتحدة الأمريكية، حتى نهاية 2017، بلغ 11.95 مليار دولار، في حين كان حجم الصادرات التركية لأمريكا 8.65 مليارات دولار.

وتعتبر الولايات المتحدة رابع أكبر مصدر للواردات التركية بعد الصين وألمانيا وروسيا وبريطانيا، وخامس أكبر سوق للمنتجات التركية بعد ألمانيا وبريطانيا والإمارات والعراق، ويتسبب أي تهاوٍ لحجم التبادل التجاري بخسائر مليارية للطرفين.

وعلى الصعيد الأوروبي ليس من مصلحة أوروبا مقاطعة تركيا اقتصادياً؛ فارتفاع حجم ديون تركيا الخارجية (القطاع الخاص) من المصارف الأوروبية يشكل حالة من القلق الشديد لدى دول تلك المصارف في حال فرض عقوبات أو اتخاذ إجراءات "تدميرية" للاقتصاد التركي، وهذا ما أثبتته أزمة انخفاض الليرة التركية في الأشهر الماضية، فقد أعلنت ألمانيا وفرنسا وقوفهما إلى جانب تركيا، وتأكيدهما أنهما لن تسمحا بانهيار اقتصادها، خاصة في ظل ما يعانيه الاتحاد الأوروبي من جراء تداعيات الأزمة اليونانية والركود الإيطالي والإسباني.

ومن ثم فإن تنفيذ التهديدات الأمريكية بتدمير الاقتصاد التركي لن يكون بتلك السهولة، وسيكون هناك انتقاد شديد من قبل المجتمع الدولي لمثل هذه الدعوات؛ لما لها من انعكاسات على استقرار منظومة الاقتصاد العالمي، في حين يضع البعض هذه التهديدات في خانة "مقامرات" ترامب الاقتصادية بهدف جني المزيد من الأموال.

تعتبر "تركيا البوابة الشرقية لأمن واستقرار أوروبا"، ومن ثم فإن أي تصعيد معها يعني تجميد العديد من الاتفاقيات؛ منها اتفاقية مكافحة الإرهاب، الذي يمثل معظلة بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وكذلك الاتفاقيات التي تتعلق باللاجئين، الأمر الذي سيخلق أزمة حقيقية للتكتل الأوروبي في حال أقدم بشكل فعلي على فرض عقوبات على تركيا أو تنفيذها.

مكة المكرمة