4 أزمات بينها "الليرة".. تركيا تُعلن عن نمو اقتصادها في 2018

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LwPYo3

زاد الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 19.1% خلال 2018

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 11-03-2019 الساعة 20:16

بعد عام مليء بالتجاذبات المتعلقة بالملف الاقتصادي داخلياً وخارجياً، أعلنت هيئة الإحصاء التركية أن الاقتصاد المحلي حقق نمواً بنسبة 2.6% خلال عام 2018، وهي نسبة منخفضة مقارنة بما تحقق عام 2017، التي بلغت 7.4%، كما أنها أقل بنسبة 1.2% مقارنة بما استهدفته الخطة الاقتصادية التي أُعلن عنها في سبتمبر الماضي.

وبحسب المعطيات فإن نسبة النمو تأثرت سلباً بصورة مباشرة بنتائج الربع الثالث والرابع من عام 2018، والتي وصلت إلى 1.6% و 3% على التوالي. ففي الربع الأخير من العام الماضي شهد الاقتصاد التركي انكماشاً بنسبة 3%، كان مصحوباً بتراجع في القيمة المضافة لقطاع الإنشاءات بنسبة 1.9%.

وأشارت البيانات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي خلال 2018 زاد بنسبة 19.1% مقارنة بالعام 2017، مع نمو في القيمة المضافة لقطاع الخدمات 5.6%، والزراعة 1.3% ، والصناعة 1.1 %.

كما أشارت بيانات هيئة الإحصاء إلى أن معدل دخل الفرد السنوي للعام 2018 بلغ 9 آلاف و632 دولاراً، مسجلاً انخفاضاً مقارنة بعام 2017 الذي بلغ فيه 10 آلاف و540 دولاراً.

الأسباب والدلالات

من المؤكد أن الأحداث التي مرت بالاقتصاد التركي عام 2018، وخصوصاً في النصف الثاني منه، انعكست بشكل كبير على نسبة النمو، التي تباطأت لتصل إلى 2.6% مع نهاية العام.

وبالعودة إلى المشاكل الاقتصادية التي عانى منها الاقتصاد منذ النصف الثاني للعام 2018، نجد أن العوامل التالية كانت بمثابة النقاط الرئيسية وراء هذا التباطؤ:

أزمة الليرة التركية:

عانت الليرة التركية منذ النصف الثاني من العام المنصرم حالة من عدم الاستقرار، ما أفقدها قرابة 40% من قيمتها مقارنة بالعام 2017، وبغض النظر عن الأسباب وراء هذا الانخفاض، سواء كانت أسباباً سياسية أم اقتصادية، كان لأزمة الليرة تأثير مباشر على المؤشرات الرئيسية في العام 2018.

فعلى سبيل المثال أدى تدهور الليرة التركية إلى رفع فاتورة استيراد الطاقة، والتي تعتمد تركيا بنسبة تفوق 75% على الاستيراد في تلبية احتياجاتها المحلية منها، وهو ما زاد من الأعباء الإنتاجية للمصنعين، وانعكس من ثم سلباً على المردود الإنتاجي للعام.

كما أسهم انخفاض الليرة التركية في تآكل أرباح الشركات المحلية والأجنبية، إضافة إلى ارتفاع فاتورة أعباء الديون المستحقة على تلك الشركات، والتي وصلت إلى 213 مليار دولار،  والذي يمثل أكثر من نصفها ديوناً مستحقة على مؤسسسات غير مالية (أي شركات ومصانع)، وهو ما انعكس سلباً على الأداء العام للقطاع الخاص في عام 2018. 

رفع أسعار الفائدة وتبني سياسة انكماشية:

بلا شك أسهمت السياسية الانكماشية، التي جاءت بهدف السيطرة على معدلات التضخم التي تضاعفت بعد انخفاض قيمة الليرة، حيث ارتفعت معدلات الفائدة  لتصل إلى 24%.

فبالرغم من التأثير الإيجابي لهذا القرار، والذي انعكس مباشرة على سعر صرف الليرة التركية (بدأت بالارتفاع النسبي)، إضافة إلى انخفاض معدلات التضخم التي بلغت اليوم  19.6% مقارنة بـ25% في نوفمبر الماضي، كان لهذه السياسة الأثر السلبي على معدلات النمو، خاصة بعد ما نتج عنها من ارتفاع في تكاليف الأقراض، وزيادة التخوفات لدى المستثمرين بشأن الاقتصاد التركي، كما خلق حالة من الانكماش في القطاعات الإنتاجية، وتحول الأموال والاستثمارات إلى القطاعات البنكية، إضافة إلى دورها في زيادة تكاليف إصدار السندات والأذونات على كاهل الحكومة، وهو ما انعكس جلياً على معدلات النمو للعام 2018.

- معدلات التضخم:

أسهمت حالة عدم الاستقرار في الليرة التركية، وبطء الإجراءات الحكومية المتعلقة بهذا الخصوص، في تفاقم نسبة التضخم، التي وصلت إلى رقم قياسي (25%) في نهاية نوفمبر 2018، فبالرغم من ارتباط معدلات التضخم بانخفاض الليرة، ورفع أسعار الفائدة، فإن ارتفاع الأسعار في معظم السلع، وخاصة المواد الخام والسلع الاستهلاكية الأساسية، خلق حالة من الركود في السوق التركية، وهو ما أدى إلى خفض مؤشر ثقة المستهلك- وفقاً لمسح للبنك المركزي التركي- بـ58.7 نقطة مع نهاية العام، مقارنة بـ65.1 نقطة في العام 2017. وهو ما انعكس بصورة كبيرة على نسبة النمو للقطاع الإنتاجي في تركيا.

- عجز الحساب الجاري:

هو أحد المشكلات الهيكيلة التي يعاني منها الاقتصاد التركي، والتي تشكل صورة عامة حول السياسات الاقتصادية في الدولة وتؤثر بصورة مباشرة في نسبة النمو الاقتصادي.

 ففي الحالة التركية تأثرت قيمة الحساب الجاري بصورة مباشرة بانخفاض قيمة الليرة التركية حيث وصلت قيمة العجز فيها إلى 27.6 مليار دولار، أي 5.9% من إجمالي الناتج المحلي، خاصة في ظل اعتماد الحكومة على التصنيع والإنتاج في القطاعات الاستهلاكية والاستثمار في قطاعي الإنشاء والبنية التحتية، والتي تتطلب حجماً أكبر من المواد الخام المستوردة، الأمر الذي يزيد من عجز الحساب الجاري في ظل انخفاض قيمة العملة المحلية.

كما ساهم نقص الموارد الطبيعية واعتماد تركيا على استيراد نسب كبيرة من المواد الخام والموارد الأساسية مثل (النفط والغاز والحديد) في تفاقم عجز الحساب الجاري، من خلال دورها في رفع حجم وفاتورة الاستيراد، ومن ثم رفع تكاليف الإنتاج والتأثير على النمو الاقتصادي.

إضافة إلى ذلك، أدت سياسة الحكومة التركية في السنوات الماضية المتمثلة في خفض أسعار الفائدة إلى رفع وتائر الاستثمارات، وزيادة الفجوة بين الاستثمار والادخار (الأمر الذي يؤثر  سلباً على الحساب الجاري)، فانخفاض حجم الادخار فاقم من عجز الحساب الجاري، من خلال توجه الدولة والقطاع الخاص للاقتراض لتمويل المشاريع.

كما أن ارتفاع قيمة الديون الداخلية والخارجية وفوائدها يزيد من حجم التدفقات النقدية الخارجة من الدولة، ويزيد الأعباء على العملة المحلية، الأمر الذي يزيد من عجز الحساب الجاري.
كل هذه العوامل كان لها دور رئيس في خفض نسب النمو الاقتصادي للعام 2018.

هل تعتبر هذه النسبة دليل فشل في إدارة الملف الاقتصادي؟

حتى نحكم على فشل أو نجاح الحكومة التركية في إدارتها للملف الاقتصادي يجب وضع معدلات النمو المتحققة سابقاً في سياق الظروف التي تحققت فيها. 

فعلى سبيل المثال؛ الظروف التي أُتيحت للحكومة في العام 2017 كانت مختلفة، فالليرة التركية كانت شبه مستقرة، وتبنت الحكومة في ذلك الوقت سياسة تحفيز للقطاع الخاص ساهمت في نمو قطاع الاستثمار بنسبة وصلت إلى 9% من خلال تبنيها نظام ضمان الائتمان الحكومي على القروض، كما ضخت قرابة 70 مليار دولار (من المصارف) إلى الشركات التركية.

ومن البعد السياسي الاقتصادي الدولي؛ لم يكن هناك ضخ للتقارير السلبية من طرف المؤسسات الدولية، وكانت العلاقات مع الولايات المتحدة شبه مستقرة، وغيرها من الظروف التي كانت مواتية لتحقق هذه النسبة.

في العام 2018 تغيرت الظروف داخلياً وخارجياً، فالأسواق الناشئة لم تعد الوجهة الأولى للاستثمارات، خاصة بعد الرفع التدريجي لأسعار الفائدة من طرف الفيدرالي الأمريكي، كما ساهمت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين في التأثير على أداء الأسواق الآسيوية، فضلاً عن تصاعد وتيرة الخلافات بين تركيا والولايات المتحدة وما نتج عنها من فرض للعقوبات على الصادرات التركية، وما آلت إليه الأمور من تدهور قيمة الليرة، وما صاحبها من تبعات على الاقتصاد التركي، زاد من التحديات على الحكومة، وأثّر  على خططها الاقتصادية للفترة القادمة، حيث ارتفعت أسعار الفائدة لرقم قياسي، أعطت الحكومة أولوية للمحافظة على مستوى متوازن من عجز الميزانية، بدلاً من تحقيق معدلات نمو عالية، حيث خفّضت توقعاتها بشأن النمو الاقتصادي في العام 2018 لتصل إلى 3.8%، مع توقّعها بأن تصل معدّلات التضخم بنهاية العام  إلى 20.8%.

وحتى نتمكن من الحكم على نجاح الحكومة التركية أو فشلها، يجب الأخذ في عين الاعتبار أن معظم السياسات النقدية والمالية بحاجة لفترة زمنية حتى يتم الحكم عليها، ولكن من واقع الأرقام والإحصائيات المتعلقة بالفترة السابقة، نجد أن تمكن الحكومة من خفض معدلات التضخم من 25% في نوفمبر 2018  لتصل إلى قرابة 19.6%  فبراير 2019، يعتبر مؤشراً إيجابياً على مسار الإجراءات المتعلقة بهذا الخصوص، كما أن قيمة الاحتياطات النقدية التي تجازوت 100 مليار دولار تحسنت، بعدما كانت أقل من 77 مليار دولار في نوفمبر الماضي.

أما تقليل هامش التقلبات المصاحبة لسعر الليرة التركية فيعتبر مؤشراً إيجابياً وباعثاً للثقة في قدرة الاقتصاد التركي على التعافي.

ويبقى ارتفاع معدلات الديون الخارجية وعجز الحساب الجاري أهم التحديات أمام الحكومة التركية.

مكة المكرمة