أحلام الخليج بعيون ألمانية.. وثائقيات أسيرة الأساطير

جزر دبي السكنية استوقفت ناظري مخرج العمل

جزر دبي السكنية استوقفت ناظري مخرج العمل

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 31-01-2015 الساعة 14:08


يعود الانبهار الألماني الكلاسيكي بسحر الشرق مجدداً، من خلال النظرة السياحية التي تحتفي بلآلئ المدنية المتناثرة على ساحل الخليج.

يكفي أن يكون عنوان العمل الوثائقي الكبير الذي بثته قناة ألمانية عامة هو "أحلام الصحراء" ليكشف النقاب عن النظرة الاستشراقية التقليدية وهي تعود في زمن الشاشات والتغطيات التلفزيونية المفعمة بالإثارة.

"فقبل أربعين عاماً لم يكن هنا سوى صحراء وجمال وبدو، واليوم يوجد أعلى برج في العالم، برج خليفة". هي الكلمات التي تختزل المفهوم السائد في أوروبا نحو هذه المنطقة، بأنها لم تكن شيئاً مذكوراً ثم نهضت منها أعجوبة يتم قياسها بارتفاع ناطحات السحاب.

كان ديتمار أوزنبرغ يتحدّث في عمله الوثائقي من على متن طائرة مروحية تحوم حول دبي، واختلطت تعليقاته مع موسيقى أضفت على العمل الوثائقي، الذي يقع في جزأين، نكهة خاصة من إثارة وتشويق تنسجم مع التصور العالق في أذهان الألمان والأوروبيين عن الشرق.

وفي جولة عبر دولة الإمارات وسلطنة عُمان يتحسس هذا العمل عناصر الجذب الجديدة، ليشاهدها متابعو القناة الألمانية العامة الثانية "زد دي إف". وقد جاء الجزء الأول تحت عنوان "أحلام الصحراء"، والثاني باسم "في أرض السلطان".

ولا يكاد هذا العمل يبتعد عن وفرة من الأعمال ذات الطابع السياحي التي بثتها القنوات الألمانية الخاصة عبر السنوات الماضية، وهي تقع على الإنجازات الخارقة في المنطقة، خاصة الفنادق ذات المواصفات الأسطورية، والمنتجعات الفخمة، والمرافق السياحية التي لا نظير لها تقريباً على هذا الكوكب.

وفي جولة تتعقب السياحة والعمران والاقتصاد يأتي البحث سريعاً عن الواقفين خلف هذا المشهد من كبار المديرين، ومقابلهم حكام المنطقة.

الكاميرا تهبط

هبطت الكاميرا التي جالت في سماء المنطقة لتحل ضيفة على أكثر معالمها شهرة، وستكون الأبراج الشاهقة والقنوات المائية والفنادق الكبرى عنواناً لهذا التناول الذي لا يكاد يبصر الإنسان إزاء ناطحات السحاب.

يرى مخرج هذا العمل الوثائقي الكبير أنّ مدينة مثل دبي تجسد الالتقاء بين الثقافات، ويرى ذلك في بؤرة مثل نافورة دبي الشهيرة التي تطلق المياه عالياً فتتراقص مع الأنوار على أنغام الموسيقى، تزامناً مع تلألؤ الهندسة الضوئية في برج خليفة.

يستعرض العمل المنجز بالألمانية مؤشرات الإقبال السياحي المتعاظم على المنطقة، وتضخم القطاعات والمرافق المرتبطة بهذا الإقبال.

سيجري البحث عن الشرق والأصالة العربية في إسطبلات الإبل والخيول، من خلال زيارة مركز أبحاث الطب البيطري المتطور، الذي يتعامل مع أنواع أصيلة وفصائل نادرة تبلغ أسعار بعضها ثلاثين مليون يورو. هنا تكمن جنّة الباحثين والمطوِّرين في مجال الطب البيطري والأمراض الحيوانية المعدية، وقد وفدوا من أنحاء العالم تحت إشراف خبير ألماني حضر إلى دبي قبل ثلاثين عاماً.

تتقمص الكاميرا الوثائقية عيني سائح في جولتها مع فوج سياحي قادمة من أوروبا؛ يمضي الفوج بين شواطئ جزيرة النخلة، بعد حصول مدير الشركة والمستثمر في مجال السياحة القادم من ألمانيا على تصريح خاص لتلك الجولة، إذ لا يُسمح عادة للسياح بالاقتراب من القصور والفيلات التي يسكنها "مشاهير بوليوود ولاعبو كرة قدم وبارونات النفط"، كما وصفهم معدّ البرنامج، "كي لا يتم إفساد أجواء الخصوصية التي يتمتعون بها".

وسط تلك الأجواء، سأل أوزنبرغ دليله السياحي الألماني عن المغزى من إنشاء مثل هذه الجزر الصناعية وهي "مثال حي لجنون العظمة"، فأجابه دليله السياحي بنبرة ترويجية بأنّ عليه أن ينتظر حتى المساء ليرى روعة المكان، حينما تتلألأ أبراج دبي المضاءة من بعيد.

ومن السياحة إلى الاقتصاد، يمضي العمل الوثائقي على طول قناة دبي المائية التي تخترق وسطها التجاري القديم. وبمعية خبير ألماني يعمل مستشاراً اقتصادياً في الإمارة تستكشف الجولة بيئة الأعمال والاستثمار المحلية.

وتظهر في العمل الوثائقي مشاهد رسوّ مئات السفن التجارية المحملة بمختلف أنواع البضائع القادمة من إيران والهند وباكستان على ضفتي خور دبي.

وليس بعيداً عن ذلك تنساب بين ضفتي الخور المراكب المخصصة لانتقال الأفراد وجولات السياح، وصولاً إلى الأسواق القديمة التي تفوح منها روائح الشرق لتوافق ما ينطبع في المخيلة الأوروبية عن المنطقة.

ألف ليلة وليلة

وبما يحيل السياح الألمان والأوروبيين إلى أجواء ألف ليلة وليلة التي تحضر في أذهانهم، يجدون أنفسهم بين العود والتوابل والذهب الأصفر الذي ازدهرت تجارته بفضل التجار القادمين من الهند.

تظهر الهند أيضاً في العمل الوثائقي من خلال التركيبة السكانية الاستثنائية التي يشكل القادمون من شبه القارة الهندية بموجبها معظم قاطني الإمارات.

ما يخترق تعبيرات الانبهار والتصوير الساحر للمنطقة والمعالم هي تعبيرات الأسف التي تبوح بها صحفية ألمانية تعمل في دبي، بشكواها من انحسار الطابع الشرقي لمدينة دبي أمام اكتساح النمط الغربي.

ثم يتطرق العمل الوثائقي إلى ملف العمالة الآسيوية مع شكوك بشأن إنصاف كدها وعرقها، في صلة وثيقة بشكاوى بعض منظمات حقوق الإنسان الغربية في هذا الملف.

ما رصدته الكاميرا في بعض المشاهد داعب الصور النمطية التي تلتصق بأذهان الأوروبيين عن الخليج ومجتمعاته المحلية، في حين بدت التعليقات المصاحبة سخية في الاغتراف من التعبيرات الثقافية الأوروبية التقليدية عن الخليج والصحراء والجمال والبداوة.

ولأنّ الموضوع يتعلق بالخليج والمنطقة المحاطة بالأزمات، فقد اقتحمت مسألة الإرهاب هذا العمل الوثائقي، وتم ذلك من خلال نثر الشكوك باحتمال تسلل استثمارات "المنظمات الإرهابية" إلى سوق دبي المالي.

ومع استغراق العمل بتعاقب المعالم المعمارية، وملاحقة بيئة الأعمال من خلال بعض ملامحها، فقد غابت محطات مهمة عن التناول، ومنها مثلاً الواجهة التجارية الضخمة لإمارة دبي المتمثلة بميناء جبل علي والمنطقة الحرة المقامة على أرضه.

لقد بدت "أحلام الصحراء" في هذا العمل الوثائقي أحلاماً أوروبية لا تفارق الأساطير، وظهرت في جانب منها بمثابة قراءة ألمانية وأوروبية للخليج، بدل أن تكون انعكاساً مباشراً للمشهد الواقعي بأبعاده.

مكة المكرمة