اشرب واقلب.. قصص وأسرار ترويها "قارئة الفنجان"

اختلف المؤرخون في أصل قراءة الفنجان

اختلف المؤرخون في أصل قراءة الفنجان

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 26-02-2018 الساعة 13:47


ألهمت "قارئة الفنجان" الشاعر نزار قباني، فنظم قصيدة تغنى بها لاحقاً العندليب الأسمر، عبد الحليم حافظ، وعلى الرغم من رحيل الاثنين، فإن بقايا القهوة في فناجين العرب الذين يؤمن بعضهم بما يلفظه لسانها، لم تُمح.

بعد غلي القهوة جيداً، تُسكب في فناجين مرفقة بصحون كشرط لقراءة الفنجان، وبعد شربه يُقلب على الصحن ويترك لدقائق معدودة قبل كشفه، والبدء في تفحص ما يخفيه من أسرار.

قراءة الفنجان هي واحدة من الممارسات المنتشرة في جميع أنحاء العالم، وتهدف بالدرجة الأولى إلى تقييم شخصية ما ومستقبلها، عبر تفحص فنجان القهوة الخاص به بعد شربه.

يقال إنّ قراءة الفنجان تُمكِّن "البصّارة" من تحليل شخصيّة شارب الفنجان، وتنبئ عن الأحداث التي تدور في ذهنه من ناحية الماضي، والكشف عن خفايا المستقبل من خلال تفسير الخطوط والرموز التي يُشكّلها الفنجان المقلوب.

-أصل القراءة وتاريخها

من المعروف أن قراءة الفنجان ارتبطت بالقهوة التي يشترط أن تُقدّم في فناجين مرفقة بصحون، وهو ما كان منتشراً في تركيا، التي يعود لها أصل هذه العادة التي انتشرت لاحقاً في أوروبا والعالم العربي.

قراءة الفنجان هي عادة تركية قديمة كان الأتراك يمارسونها في المعابد؛ فعندما يرغب شخص ما معرفة مستقبله يذهب إلى الرهبان، وقبل دخوله يتناول القهوة ويترك فنجانه على الباب.

وبعد أن يفرغ من أداء طقوس عبادته، يخرج من المعبد ليجد الراهب حاملاً فنجانه وينتظره في الخارج، فيخبره عن مستقبله وطالعه، حسب ما يخبئ له الفنجان.

وحسب مصادر تاريخية، فإن ظهور قارئة الفنجان وذيوع صيتها كان في مدينة إسطنبول التركية، حيث كان يوجد مقهىً يعود لامرأة شامية ورجل حلبي، اشتهرا بمهارتهما في صناعة القهوة.

اقرأ أيضاً :

الملك سلمان علّمها لترامب.. ما قصة هزّ الفنجان عند العرب؟

وعلى الرغم من انتشارها في تركيا خلال حقبة زمنية معينة، فإن بعض المصادر تحدّثت عن أن جذور هذه العادة تمتد إلى علم التنجيم الهندي والعرافين الرومانيين.

وتُعتبر "رالوكا ناتان" أشهر قارئة لفنجان القهوة، وهي رومانية الأصل لم تشرب القهوة مطلقاً، واكتسبت العادة في سن الثامنة من عمرها، بفضل قنصل اليابان في بوخارست، الذي كان صديقاً لأسرتها.

وتقول سميرة جورج، التي نشرت أكثر من تحقيق ودراسة حول الموضوع، إن ذلك يتم من خلال النظر في المواد المترسبة بقاع الفنجان، فقد اعتاد الصينيون، كما تقول، قراءة الطالع فيما تبقى من فنجان الشاي.

وأضافت أن هذه العادة تعتمد على دراسة الرسوم التي تكونها أوراق الشاي المترسبة في القاع، قبل أن يتم استبداله بالقهوة، مشيرة إلى أن الرومان كانوا يكشفون الطالع من بقايا النبيذ في قاع الكوب.

وتضيف جورج أن قراءة الفنجان، في العصور الوسطى، كانت تتم من خلال ما يتبقى من ترسيبات القصدير أو الرصاص في الماء البارد، وفي القرن الثامن عشر كانت عبر نهاية الشمع المنصهر.

-كيف يُقرأ؟

لمعرفة أسرار هذه العادة التي هي موضع خلاف بين مؤيد ومعارض لها، كان لا بد من لقاء مع أحد الأشخاص الذين يمتلكون مهارة قراءة الفنجان، ويدعى "أبو ليلى" (اسم مستعار).

وفي حديث لـ"الخليج أونلاين"، يقول "أبو ليلى" الذي قطع عُمراً طويلاً في ممارسة قراءة الفنجان، إنها تختلف بين الأشخاص المتخصصين، وهي ليست جديدة بل قديمة قدم الإنسان، على حد قوله.

ويضيف: "قراءة الفنجان تعتمد بشكل كبير على موهبة القارئ، الذي لا بد له من قراءة داخل الشخص قبل الفنجان، ولا بد أيضاً أن يمتلك مهارة التوغل في أعماقه، من خلال قراءة حالته النفسية، وعكسها على رسم القهوة".

قد تصل قراءة الفنجان من الحقيقة إلى نسبة 70% في أحسن الأحوال، كما يقول "أبو ليلى"، وهذا ما يدفع كثيراً من الأشخاص إلى تصديق ما يقوله العرّاف (القارئ).

ويرى أن كثيرين لا يستطيعون الاقبال على أي مشروع في حياتهم -مهما كان بسيطاً- قبل استشارة قارئ الفنجان، مضيفاً: "هي محرّمة (لكونها تتعلق بمعرفة الغيب)، لكنَّ مواظبين على الصلاة وملتزمين دينياً يعتقدون بها".

وحول دوافع الأشخاص إلى معرفة "ما يخفيه مستقبلهم"، يقول "أبو ليلى": "إن الإنسان بطبيعته شغوف بمعرفة الغيب، ويأخذه فضوله إلى حب معرفة الخبايا المتعلقة بحياته".

اقرأ أيضاً :

عبق القهوة الخليجية يفوح على تويتر عبر وسم "يوم القهوة العالمي"

ويستطرد: "أقول دائماً (للذين يطلبون قراءة فناجينهم) ألَّا يؤمنوا بما أقول، لكنهم دائماً يقولون إن ما قلته يقع، أو وقع في زمن مضى، وهو نوع من الأسرار لديهم".

وفي الوقت الذي يتقاضى فيه قارئو الفنجان أجراً، يؤكد "أبو ليلى" أنه لا يأخذ أي مقابل مادي أجر قراءته، "أنا اتخذها هواية، وأجد نفسي أغوص في أعماق الأشخاص، وأحاول دائماً زرع الأمل في نفوسهم".

-خفايا علمية

يذكر الكاتب عبد الفتاح الطوخي، في كتابه "البيان في علم الكوتشينة (ورق الشدّة) والفنجان"، أن آلية تكوين الرسوم في فنجان القهوة تعتمد على طريقة علمية ترتكز إلى قوانين علمية فيزيائية وكيميائية.

ويقول: "استدل علماء الفلك في التبصير بفنجان القهوة على أن جسم الإنسان يتركب من ذرات صغيرة تمتزج بالدم الذي يجري في الشرايين امتزاجاً كلياً، ومن هذه الذرات التي يمتزج بها دم الإنسان يتركب العالم الطبيعي المحيط به".

ويضيف الطوخي: "خضوع هذه الذرات الطبيعية إلى الذرات الإنسانية أمر طبيعي، ومن ثم ستجذب ذرات الدم الكائنة في الإنسان ذرات الطبيعة المحيطة به، وتمتزج بها تماماً".

وبواسطة هذا الامتزاج الكلي والمعنوي تتضح الخفايا المكونة في عالم الغيب، وتظهر الأسرار المحيطة بالإنسان وتنكشف طوالع المستقبل الذي قضاه الله للإنسان منذ الأزل، كما يقول الطوخي.

ويتابع: "إذا امتزجت ذرات القهوة التي يشربها الإنسان بالذرات المخلوقة فيه بواسطة الشهيق والزفير، أي بواسطة إدخال النفس إلى الرئتين وإخراجه، فإنه ترتسم على أثرها الأشكال والرسوم التي تظهر واضحة في جوانب الفنجان وفي قاعه".

ويعتبر أنه "متى عرف المطَلع عليها سر تفسيرها، استطاع معرفة حظه وطالعه".

مكة المكرمة